حالة ترقب مشوبة بالحذر تسيطر على مستأجري الإيجار القديم مع اتساع الحديث الرسمي عن “السكن البديل” دون إعلان التزامات مالية نهائية أو خريطة توطين واضحة. وزارة الإسكان تقول إن استمارات التقديم، التي فُتحت منذ أكتوبر عبر المنصات الرقمية ومكاتب البريد، هدفها جمع البيانات وتحديد مستويات الدعم لكل فئة، لا تثبيت الأسعار مسبقًا. لكن المستأجرين يرون أن غياب الأرقام يضاعف القلق، لأن القرار يمس استقرار السكن قبل سنوات قليلة من انتهاء المدد الانتقالية.

 

المشهد أصبح أكثر ضغطًا بعد التصديق على القوانين المنظمة للملف، وفي مقدمتها القانون رقم 165 لسنة 2025، ضمن حزمة تشريعية تخص العلاقة الإيجارية. القانون يضع الدولة أمام التزام معلن بتجهيز سكن بديل للمستحقين قبل نهاية الفترة الانتقالية بعام، بينما تشير بيانات تعداد 2017 إلى أن إجمالي وحدات الإيجار القديم السكنية وغير السكنية يبلغ 3,019,662 وحدة. هذه الفجوة بين حجم الملف وتفاصيل التنفيذ تفسر حالة الحذر المتصاعدة.

 

قاعدة بيانات ضخمة.. لكن “ثمن البديل” ما زال خارج الصورة

 

وزارة الإسكان تربط عدم إدراج بنود مالية نهائية في الاستمارات بضرورة “رصد الأوضاع المادية بدقة” قبل تحديد الدعم. عمليًا، هذا يعني أن المواطن يقدّم بياناته دون أن يعرف قيمة ما سيدفعه لاحقًا، أو مكان الوحدة، أو قواعد الأولوية، سوى وعود عامة بآليات دعم “مناسبة”. هذا النمط يترك الباب مفتوحًا لتسعير متغير، ويضع الأسر أمام التزام مجهول في ملف سكني لا يحتمل المجازفة.

 

مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، قالت إن المنظومة تستهدف تبسيط إجراءات التقديم عبر منصة “مصر الرقمية” وتوفير إرشادات واضحة للمستفيدين. لكن التبسيط الإجرائي لا يعالج جوهر الأزمة: الناس تريد رقمًا واضحًا، وجدولًا زمنيًا، ومكانًا محددًا، لأن “البديل” ليس خدمة تكميلية بل مصير سكني.

 

عبد الحميد شرف الدين، مستشار رئيس جهاز الإحصاء، كشف أن وحدات الإيجار القديم تمثل 3,019,662 وحدة وفق أحدث بيانات مجمعة في 2017. هذه الأرقام تضع تحديًا لوجستيًا وتمويليًا ضخمًا أمام الحكومة، لأن أي تأخير في تجهيز البدائل يفتح الباب لنزاعات اجتماعية وقانونية واسعة، خصوصًا في المناطق ذات الكثافات العالية وتباين الدخول.

 

لجان تصنيف ومضاعفات إيجارية.. والزيادات تسبق شبكة الأمان

 

الحكومة أعلنت تشكيل لجان فنية لحصر وتصنيف العقارات الخاضعة للقانون، مع تقسيم المناطق إلى “متميزة” و“متوسطة” و“اقتصادية”. وبناء على هذا التصنيف، تُطرح زيادات قد تصل إلى 20 ضعفًا للقيمة الحالية في المناطق الراقية و10 أضعاف في مناطق أخرى، وفق ما يتداول في الشروح القانونية المصاحبة لتطبيقات القانون. المؤيدون يعتبرون ذلك “استعادة توازن” للسوق، بينما يخشى المستأجرون أن تتحول الزيادة إلى أداة ضغط قبل اكتمال بدائل السكن.

 

الدكتور خالد زكريا العادلي، أستاذ التخطيط والتصميم العمراني، حذر في مناقشات متخصصة من أن أي إعادة تسعير واسعة للسكن داخل المدن يجب أن تُربط بخريطة انتقال واقعية وخدمات نقل ومرافق، وإلا تحولت إلى “إزاحة اجتماعية” من المركز إلى الأطراف. جوهر التحذير هنا أن التصنيف الجغرافي لا يكفي وحده، لأن أثره المباشر يقع على الأسر لا على الخرائط.

 

البيانات البرلمانية والإحصائية تحدثت عن أن الأسر المقيمة بالإيجار القديم تمثل نسبة معتبرة من السكان، وهو ما يجعل أي صدمة مالية ممتدة مهددة للاستقرار الاجتماعي. اللواء خيرت بركات، رئيس جهاز الإحصاء سابقًا، أشار إلى أن تعداد 2017 رصد 1,642,870 أسرة تقيم بنظام الإيجار القديم، بما يعكس كتلة اجتماعية واسعة لا يمكن إدارتها بتصريحات عامة فقط.

 

القاهرة والجيزة والمهلة الممتدة.. إقبال محدود وأسئلة عن العدالة في التوزيع

 

تصنيفات الشوارع والمناطق في القاهرة والجيزة، من الزمالك وجاردن سيتي ومصر الجديدة إلى بولاق الدكرور والعمرانية وإمبابة، تعني أن الزيادة المتوقعة ستختلف بشكل حاد داخل نفس المحافظة. هذا يفتح سؤالًا مباشرًا عن عدالة اللجان ومعاييرها، وعن آليات التظلم، وعن تأثير التصنيف على “أحقية” الحصول على السكن البديل من الأساس، خاصة مع تداخل السكني بالتجاري والإداري.

 

ورغم تمديد فترات التسجيل أكثر من مرة، تشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المتقدمين ما زال محدودًا مقارنة بحجم الوحدات. Ahram Online نقل عن وزارة الإسكان أن التقديم على السكن البديل يبدأ من 1 أكتوبر عبر منصة إلكترونية ومكاتب البريد. “الملف” يتقدم إداريًا، لكن ضعف الإقبال يعكس فجوة ثقة: كثيرون يمتنعون لأن التفاصيل المالية غير معلنة، ولأن مكان التوطين قد يعني خسارة شبكة العمل والعائلة والخدمات.

 

المصادر الرسمية تؤكد أن الاستمارة تتيح اختيار “التملك” أو “الإيجار”، وأن الأولوية لكبار السن للحصول على وحدات قريبة من نطاق سكنهم الحالي قدر الإمكان. كما يلتزم القانون بإنهاء العلاقة الإيجارية خلال 7 سنوات للسكني و5 سنوات للإداري، مع تسليم العين للمالك فور انقضاء المدة. لكن هذه الوعود تبقى مرهونة بإنهاء الحصر وتحديد الطلب الفعلي ثم إعلان جداول توزيع شفافة، وإلا ستتحول “السنوات الانتقالية” إلى عدٍّ تنازلي بلا ضمانات.