لم يكن مستغربًا أن يواجه مسلسل «صحاب الأرض»، المعروض في موسم رمضان الحالي، موجة انتقادات وغضب في إسرائيل، باعتباره عملًا يتناول معاناة الفلسطينيين تحت القصف والحصار. لكن اللافت أن الجدل الأكبر لم يكن خارجيًا فقط، بل داخل غزة نفسها، حيث انقسمت الآراء بين من يرى فيه توثيقًا للذاكرة، ومن يعتبر أن الجرح لا يحتمل إعادة العرض.
العمل يتناول محطات مفصلية من التاريخ الفلسطيني وقضايا الأرض والاقتلاع، ويركز على المعاناة الإنسانية في قطاع غزة والانتهاكات خلال الحرب، مستندًا إلى وقائع وأحداث عايشها السكان. ومع كل حلقة، تتجدد النقاشات بين الغزيين حول جدوى الطرح وحدود الدراما في مقاربة واقع ما زال مستمرًا.
توثيق للذاكرة أم إعادة فتح الجرح؟
علي سليم، شاب في العشرينات من غزة، يقول إن المسلسل نقل تفاصيل دقيقة عاشها خلال فترات النزوح القسري ونقص العلاج في المستشفيات، إلى جانب مشاهد القصف المتواصل وتدمير الأحياء والبنية التحتية. ويرى أن بعض المشاهد عكست بدقة يوميات عاشها آلاف الغزيين.
ويضيف أن مشهد الحصول على كيس طحين تحت إطلاق النار أعاد إليه لحظات عاشها بنفسه، معتبرًا أن العمل “وثّق حالة الخوف والجوع” التي رافقت توزيع المساعدات. ويشير إلى أن مئات الغزيين قُتلوا خلال عمليات توزيع مساعدات، فيما وصفت حركة حماس بعض الآليات بأنها “مصائد موت”، متهمة إسرائيل والولايات المتحدة بتدبيرها ضمن سياسة ممنهجة.
سليم، الذي تطوع مع فريق طبي في مستشفى غزة الأوروبي جنوب شرق خانيونس خلال بدايات الحرب، يستعيد دخول فريق طبي مصري عبر معبر رفح قبل إغلاقه، معتبرًا أن ذلك شكل لحظة إنسانية فارقة. ويقول إنه لم يشهد مستوى مماثلًا من الالتزام الطبي في ظروف مشابهة.
هند محمود، 34 عامًا، التي فقدت منزلها شرق مدينة غزة وتعيش حاليًا في خيمة غرب المدينة، ترى أن المسلسل “ليس تمثيلًا بقدر ما هو استدعاء لذاكرة حقيقية”. وتقول إنها عاشت النزوح والتجويع وفقدت أفرادًا من عائلتها، وبعضهم لا يزال تحت الركام حتى اليوم، معتبرة أن العمل أعاد عرض تفاصيل لا تزال حاضرة في حياتها اليومية.
معاناة أكبر من الشاشة
في المقابل، لا يحظى المسلسل بإجماع. ساهر الرملي، 29 عامًا، فقد معظم أفراد عائلته في قصف استهدف منزلهم دون إنذار. يقول إنه شاهد مقتطفات فقط عبر وسائل التواصل، ولم يستطع المتابعة. ويؤكد أن ما عاشه “أكبر من القدرة على المشاهدة”.
الرملي يشرح أن تفاصيل القصف وعدم القدرة على انتشال الضحايا أو دفنهم لا تزال تلاحقه. منزله يقع في منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وأي محاولة للوصول إليه تقابل بإطلاق النار، وفق قوله. ويشير إلى أن أجساد أقاربه ما زالت تحت الركام.
ويضيف أن وسائل الإعلام العربية والدولية نقلت مشاهد الحرب بالصوت والصورة على مدار عامين، دون أن يتوقف القتال. ويذكر أن عدد القتلى تجاوز 70 ألف فلسطيني، بحسب ما يتم تداوله في بيانات فلسطينية، معتبرًا أن الكاميرات عرضت واقعًا أقسى مما يمكن للدراما تقديمه.
سلمان عيسى، 38 عامًا، يتفق مع الرملي في أن الإعلام وثّق تفاصيل الحرب بشكل مباشر. ويقول إن كثيرًا من الغزيين ما زالوا نازحين في خيام، دون كهرباء أو إنترنت، ومع ارتفاع تكاليف الطاقة البديلة، ما يجعل متابعة أي عمل درامي مسألة ثانوية أمام أولويات البقاء.
وينتقد عيسى توقيت العرض، معتبرًا أن المعاناة اليومية من القصف ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار وغياب المنازل الآمنة تجعل الحديث عن مسلسل “ترفًا لا يحتمله الواقع”. ويضيف أن الحياة نفسها تحولت إلى “دراما مفتوحة” مستمرة منذ أكثر من عامين.
غضب إسرائيلي ورد فني
رغم أن الغزيين ليسوا الجمهور المستهدف مباشرة، فإن رد الفعل الإسرائيلي جاء حادًا. تحليلات في القناة 12 وصحيفة «يديعوت أحرونوت» اعتبرت العمل تعزيزًا للرواية الفلسطينية في ما وصفته بـ”صراع الروايات”، وانتقدت ما رأت أنه ترسيخ لصورة سلبية عن إسرائيل.
متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي نشرت مقطع فيديو هاجمت فيه المسلسل، معتبرة أنه “تحريض وتزييف للحقائق”، وقالت إن العمل “يقلب القاتل ضحية”. في المقابل، رد مخرج المسلسل بيتر ميمي عبر منشور على فيسبوك، مؤكدًا أن “الفيديوهات موجودة”، ورافضًا اتهام العمل بتزييف الوقائع.
الجدل الدائر حول «صحاب الأرض» يتجاوز تقييمًا فنيًا لعمل درامي. هو امتداد لمعركة السرديات بين روايتين، وفي الوقت نفسه انعكاس لانقسام داخلي بين من يرى في الدراما أداة حفظ للذاكرة، ومن يعتبر أن الجرح المفتوح لا يحتمل إعادة تمثيل.
في غزة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في الخيام والبيوت المهدمة، يبقى السؤال مطروحًا: هل تساعد الدراما على توثيق الألم، أم تعيد إنتاجه في لحظة لم يهدأ فيها القصف تمامًا رغم إعلان وقف إطلاق النار قبل أشهر؟ الجواب، كما يظهر من الشارع الغزي، ليس واحدًا.

