تشهد الحدود بين باكستان وأفغانستان تصعيدا عسكريا متجددا، مع تبادل إعلانات عن استهدافات متبادلة طالت مناطق واسعة على جانبي الحدود.
التطورات الأخيرة تعكس توترا مزمنا يتجدد دوريا، في ظل اتهامات أمنية متبادلة وخلاف تاريخي حول ترسيم الحدود.
وخلال عرض على الخارطة التفاعلية، أوضح عبد القادر عراضة أن باكستان أعلنت تنفيذ عمليات استهداف على امتداد الشريط الحدودي مع أفغانستان، شملت محيط العاصمة كابل، إضافة إلى ولايات بكتيكا وبكتيا وننغرهار ونورستان وكونر. التحركات لم تقتصر على نقاط تماس محدودة، بل امتدت إلى عمق جغرافي أوسع.
وأشار عراضة إلى أن الجانب الباكستاني تحدث عن استهداف عشرات المواقع، بينها مواقع عسكرية، مؤكدا أن عدد الأهداف التي جرى الإعلان عن ضربها بلغ 74 موقعا داخل الأراضي الأفغانية.
هذا الرقم يعكس اتساع نطاق العمليات مقارنة بجولات سابقة.
في المقابل، أعلنت السلطات الأفغانية عن استهدافات طالت مناطق داخل باكستان، من بينها نوشهره وصوابي وأبت آباد، وهي مناطق قريبة نسبيا من العاصمة إسلام آباد.
هذا التطور يشير إلى انتقال المواجهة من نطاق حدودي ضيق إلى دائرة جغرافية أوسع.
يقول الدكتور حسن عابدين، أستاذ العلاقات الدولية، إن “اتساع رقعة الاستهدافات يعكس رغبة متبادلة في إرسال رسائل ردع مباشرة”، مشيرا إلى أن ضرب مناطق قريبة من العواصم يرفع مستوى المخاطر السياسية ويصعب احتواء التصعيد سريعا.
خط ديورند وجذور التوتر المزمن
وضع عراضة التصعيد الحالي في سياقه التاريخي، موضحا أن جذور الخلاف تعود إلى النزاع حول خط ديورند، الذي يمتد لمسافة تقارب 2200 كيلومتر ويفصل بين البلدين.
الخط رُسم خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، ولا يزال يمثل نقطة خلاف رئيسية.
تعد باكستان هذا الخط حدودا دولية رسمية، بينما ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف به كحد فاصل نهائي.
هذا التباين القانوني والسياسي جعل المنطقة مسرحا دائما للاشتباكات، خاصة في المناطق القبلية ذات الامتداد العابر للحدود.
ويرى اللواء المتقاعد سمير فرج، الخبير العسكري، أن “غياب اتفاق نهائي حول ترسيم الحدود يخلق فراغا أمنيا دائما”، موضحا أن الطبيعة الجبلية والقبلية للمنطقة تسهل حركة الجماعات المسلحة وتحد من فعالية الرقابة التقليدية.
ويضيف أن أي تصعيد عسكري على طول خط بطول 2200 كيلومتر يحمل مخاطر توسع الاشتباكات، خصوصا في ظل تداخل سكاني وقبلي يجعل الفصل بين الداخل والخارج مسألة معقدة ميدانيا.
محطات تصعيد في أكتوبر ونوفمبر 2025
شهد أكتوبر 2025 توترا ملحوظا، تركزت خلاله الاستهدافات في مناطق خوست وجلال آباد وبكتيكا.
وجاء ذلك على خلفية اتهامات باكستانية لما تُعرف بـ"طالبان باكستان" بتنفيذ هجمات داخل أراضيها انطلاقا من الجانب الأفغاني.
وأسفرت المواجهات آنذاك عن مئات القتلى والجرحى وفق بيانات متبادلة.
وفي نوفمبر من العام نفسه، وقع تفجير انتحاري في بيشاور، أعقبه رد باكستاني باستهداف مناطق في كونر وخوست وبكتيكا.
هذا النمط المتكرر يعكس هشاشة الوضع الأمني على الحدود وتشابك العوامل القبلية والجغرافية.
الدكتور أحمد كامل البحيري، الباحث في شؤون الحركات المسلحة، يقول إن “تكرار دورة الهجوم والرد يعكس غياب آلية تنسيق أمني فعالة بين الجانبين”، مضيفا أن اتهامات دعم أو إيواء جماعات مسلحة تبقى وقودا دائما للتصعيد.
ويشير إلى أن المناطق القبلية ضمن الحزام البشتوني تمثل بيئة معقدة أمنيا، حيث تتداخل الولاءات القبلية مع النشاط المسلح، ما يصعب الفصل بين البعد المحلي والإقليمي في أي مواجهة.
غارات جوية وأرقام متباينة للخسائر
ليلة الجمعة، شنت طائرات باكستانية غارات جوية استهدفت كابل وولايتي قندهار وبكتيكا، ردا على هجوم عسكري قالت إسلام آباد إن أفغانستان نفذته قبل ساعات على المنطقة الحدودية.
الإعلان جاء سريعا، وترافق مع أرقام حول حجم الخسائر.
أعلنت باكستان مقتل 133 أفغانيا وإصابة أكثر من 200 خلال عملياتها العسكرية. في المقابل، قالت الحكومة الأفغانية إن 55 جنديا باكستانيا قُتلوا خلال عمليات الرد.
التباين في الأرقام يعكس صعوبة التحقق الميداني المستقل في ظل استمرار العمليات.
الأحد الماضي، قصفت باكستان 7 مواقع على الحدود وصفتها بأنها “معسكرات إرهابية”، عقب سلسلة تفجيرات شهدتها البلاد أخيرا.
وردت كابل بتسليم مذكرة احتجاج إلى سفير إسلام آباد، متوعدة بالرد “بشكل مناسب ومدروس” في التوقيت الذي تراه ملائما.
منذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان عام 2021، تطالب باكستان الإدارة الأفغانية باتخاذ إجراءات ضد حركة طالبان باكستان، التي تصنفها إسلام آباد “منظمة إرهابية”.
وتتهمها بتنفيذ هجمات داخل أراضيها والتمركز في الجانب الأفغاني، بينما تنفي كابل تقصيرها في هذا الملف.
تقول الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية، إن “استمرار الاتهامات المتبادلة دون إطار تفاوضي واضح يزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب”، مشيرة إلى أن أي انزلاق واسع قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي، في ظل حساسية الموقع الجغرافي للبلدين.
وتبقى الحدود الممتدة على طول خط ديورند إحدى أبرز بؤر التوتر المزمن في جنوب آسيا.
ومع كل جولة تصعيد، تتجدد الأسئلة حول قدرة الطرفين على إدارة الخلافات عبر قنوات سياسية وأمنية مستقرة، بعيدا عن دوامة الهجوم والرد التي شهدتها المنطقة في أكتوبر ونوفمبر 2025، وتعود اليوم بصورة أكثر اتساعا.

