تتفاقم أزمة مستحقات مزارعي قصب السكر في محافظات أسوان وقنا والأقصر، بعد تأخر صرف مستحقات موسم 2024/2025 حتى الآن، رغم انطلاق موسم التوريد الجديد 2025/2026 بالفعل، ما يضع آلاف المزارعين تحت ضغط ديون ومدخلات إنتاج متصاعدة، ويكشف خللًا أعمق في طريقة إدارة ملف المحاصيل الاستراتيجية التي تراهن عليها الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر، وكان آخر ما عبّر عن انفجار الغضب تقدُّم النائب مدحت ركابي المنصوراوي بطلب إحاطة رسمى حول الأزمة.
مستحقات عالقة وموسم جديد يبدأ فوق جراح قديمة
وفق شكاوى المزارعين، جرى توريد كامل إنتاجهم من قصب السكر في موسم 2024/2025 إلى المصانع الحكومية طبقًا للأسعار المعلنة، بينما لم يحصلوا حتى الآن على مستحقاتهم المالية، في وقت بدأ فيه موسم توريد جديد يمتد عادة من يناير حتى أبريل، ما يعنى عمليًا مطالبتهم بالاستمرار في الإنتاج والتسليم دون تسوية ما تراكم من حقوق أساسية عن الموسم السابق، وهو ما يصفه مراقبون بأنه إخلال صريح بقواعد العدالة التعاقدية في قطاع يعتمد على زراعة تستغرق عامًا كاملًا بتكاليف مرتفعة.
يتزامن ذلك مع إعلان الحكومة استهداف توريد نحو 6 ملايين طن من قصب السكر خلال موسم الحصاد الحالى لإنتاج ما بين 650 و675 ألف طن من السكر الأبيض، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة السكر والصناعات التكاملية بوزارة التموين، بما يعكس اعتمادًا كبيرًا على المزارعين فى صعيد مصر لتحقيق مستهدفات الأمن الغذائى، بينما تُركت شريحة واسعة منهم تواجه البنوك وتجار المدخلات بدون عائد مقابل ما تم توريده بالفعل.
ويؤكد خبراء أن هذه التركيبة غير المتوازنة، التى تجمع بين توسع الدولة في الحديث عن الاكتفاء الذاتى وتراخى الجهات التنفيذية في صرف مستحقات الموردين، تنذر بتراجع ثقة المزارعين في منظومة التوريد الرسمية، خصوصًا أن قصب السكر يمثل مصدر الدخل الرئيسى لعشرات القرى فى أسوان وقنا والأقصر، ما يهدد باستمرار الأزمة إلى مواسم لاحقة إذا لم يُحسم الملف سريعًا.
تضارب حكومي وقرارات سعرية تفقد معناها على الأرض
الأزمة مرشحة للاشتعال أكثر في ظل تضارب الإشارات الصادرة عن وزارتي التموين والمالية بشأن جدول زمنى للصرف؛ فحسب ما ينقله المزارعون تُطلَق وعود متكررة بقرب الانفراج دون تحديد مواعيد ملزمة، مع تبادل ضمنى للمسؤولية بين الجهتين، وهو ما يضع المزارعين فى قلب أزمة سيولة تمتد لشهور، ويدفع بعضهم للاقتراض بفوائد مرتفعة أو بيع جزء من أصوله لتغطية تكلفة الزراعة والنقل والعمالة.
فى المقابل، أعلنت الحكومة زيادة سعر توريد طن القصب للموسم الحالى بنحو 500 جنيه مقارنة بالموسم السابق، ليصل إلى 2500 جنيه للطن وفق تقديرات مجلس المحاصيل السكرية، فى خطوة قُدمت باعتبارها دعمًا للمزارعين وتشجيعًا للتوسع فى المساحات المنزرعة، بعد وصولها إلى نحو 210 آلاف فدان بزيادة 10 آلاف فدان عن العام الماضى.
إلا أن هذه الزيادة السعرية تفقد جزءًا كبيرًا من معناها لدى المزارعين عندما تتحول على الأرض إلى أرقام “على الورق” فقط؛ فالمشكلة الحالية ليست فى سعر التوريد المعلن بقدر ما هى فى عدم انتظام الصرف، ما يدفع بعض المنتجين للتفكير فى التوقف عن التوريد للمصانع الحكومية أو البحث عن قنوات بيع بديلة تسدد نقدًا فورىًا وإن بسعر أقل، وهو سيناريو يحذر خبراء من أنه قد يعيد مشاهد نقص السكر وارتفاع أسعاره فى الأسواق، خصوصًا مع ارتفاع تعاقدات استيراد السكر الخام وتزايد حساسية السوق لأى اضطراب فى الإمدادات المحلية.
وفى هذا السياق يشير الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادى، فى تحليلاته المتكررة لمسار السياسة الاقتصادية، إلى أن تراكم التزامات الدولة تجاه الموردين دون سداد فى مواعيدها يعمّق اختلال الثقة فى العقود الحكومية، ويؤدى عمليًا إلى تحميل صغار المنتجين كلفة إدارة عجز الموازنة، بدلًا من توزيع الأعباء بصورة عادلة، محذرًا من أن استمرار هذا النمط فى المحاصيل الاستراتيجية ينعكس على قرارات الزراعة فى المواسم التالية، وعلى فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة.
محصول استراتيجي بين ضغط التكاليف وسوء إدارة الملف
قصب السكر ليس محصولًا عاديًا فى الخريطة الزراعية المصرية؛ الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضى والمياه بجامعة القاهرة ومستشار وزير التموين الأسبق، يلفت فى تصريحات سابقة إلى أن إنتاج السكر فى مصر يقوم على مزيج من البنجر فى الدلتا والقصب فى صعيد مصر، مع وصول مستوى الاكتفاء الذاتى إلى نحو 80%، واستمرار الحاجة لاستيراد كميات من السكر الخام سنويًا، ما يعكس حساسية أى اضطراب داخلى يضرب حلقات الإنتاج أو الثقة بين المزارعين والحكومة.
فى ضوء هذا الواقع، تصبح أزمة مستحقات موسم كامل، بالتزامن مع انطلاق موسم جديد، أكثر من مجرد خلاف مالى؛ فهى إشارة سلبية يلتقطها المزارع الصغير الذى يتحمل وحده مخاطر ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والعمالة، بينما يتحرك السعر الحكومى متأخرًا عن موجات التضخم، ويتأخر معه وصول العائد النقدى لشهور، ما يضغط على قراراته المستقبلية بالاستمرار فى زراعة القصب أو التحول لمحاصيل أخرى أقل تكلفة وأكثر سيولة.
ويشير الباحث الاقتصادى إلهامي الميرغني، فى دراسته عن المحاصيل السكرية وتعميق التبعية الغذائية، إلى أن طريقة إدارة ملف السكر تاريخيًا، عبر سياسات تسعير غير عادلة وإهمال احتياجات صغار المزارعين، أدت إلى تراجع نسبي فى جاذبية زراعة القصب، وساهمت فى زيادة هشاشة الأمن الغذائى المرتبط بهذه السلعة، محذرًا من أن استمرار الضغط على المنتجين المحليين يفتح الباب أمام اعتماد أكبر على الاستيراد فى بيئة دولية شديدة التقلب.
فى هذا المناخ المشحون تأتى حالة مزارعى القصب فى أسوان وقنا والأقصر كحلقة جديدة فى سلسلة تضغط على الحلقة الأضعف فى منظومة إنتاج السكر؛ فبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن التوسع فى المساحات وزيادة الإنتاج وتطوير الأصناف عالية الإنتاجية، يواجه المزارع الواقعى معضلة أكثر بساطة: كيف يواصل الزراعة والتوريد وهو لا يحصل على مستحقات موسم مضى بالكامل، فى وقت تتآكل فيه قدرته على تحمل تكاليف موسم جديد؟
حلول مؤجلة ومسؤولية حكومية مباشرة عن تهدئة الأزمة
رغم أن الشرارة الحالية للأزمة وصلت إلى البرلمان عبر طلب إحاطة من النائب مدحت ركابي المنصوراوي، الذى طالب بالصرف الفورى لمستحقات موسم 2024/2025 قبل المضى فى موسم 2025/2026، وتحديد جهة واحدة مسؤولة عن الصرف وجدول زمنى ملزم للتسوية، فإن جوهر المشكلة يبقى تنفيذياً بالأساس، يتعلق بقدرة الحكومة على الالتزام بتعهداتها فى الوقت المناسب، لا فى إصدار قرارات رفع أسعار أو عقد اجتماعات وزارية تُعلن عن “دعم محصول تاريخى واستراتيجى”.
ويرى خبراء أن تهدئة الأزمة تتطلب ثلاث خطوات واضحة لا تحتمل التأجيل؛ أولها تسوية فورية وشفافة لكل المستحقات المتأخرة مع إعلان جدول صرف معلن ومُلزم لباقى الموسم، وثانيها وقف تبادل المسؤولية بين وزارتى التموين والمالية بتكليف جهة محددة تتحمل الملف أمام الرأى العام، وثالثها ربط أى إعلان مستقبلى عن زيادات سعرية أو خطط توسع فى المساحات بضمانات عملية لعدم تكرار تراكم الديون على المزارعين، بحيث لا تتحول شعارات “دعم الفلاح” و“تحقيق الاكتفاء الذاتى من السكر” إلى لافتات إعلامية تغطى على واقع من سوء الإدارة، يدفع ثمنه فى النهاية مزارعو الصعيد والمستهلكون معًا فى شكل ارتفاع أسعار واضطراب فى الأسواق.

