أعاد تصريح المستشار عدلي حسين، محافظ القليوبية الأسبق، أمام اجتماع مشترك في مجلس الشيوخ، فتح نقاش قديم حول طبيعة الدستور المصري القائم، بعدما قال إن “الدستور الحالي هو دستور 2012 بتاع الإخوان، وما حدث في 2014 و2019 مجرد تعديل وترميم”. هذا التوصيف أثار تساؤلات قانونية وسياسية معًا، خاصة أن الدولة نفسها قدّمت دستور 2014 واستفتاء 2019 باعتبارهما محطات دستورية جديدة، لا مجرد تصليح شكلي لوثيقة 2012.

 

رابط خبر «مصراوي» عن الجلسة:

https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2026/2/17/2944418

 

جذور الجدل: ماذا قال عدلي حسين وكيف طُرح الموضوع؟

 

في اجتماع لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشيوخ منتصف فبراير 2026، دعا عدلي حسين إلى “تغيير الدستور شكلًا وموضوعًا”، معتبرًا أن استمرار العمل بوثيقة “صادرة في عهد الإخوان” غير مقبول، وأن ما جرى في سنوات لاحقة لم يتجاوز حد التعديل، رغم الاستفتائين اللذين أُجريا في 2014 و2019. تصريحاته ربطت بين تقييمه السياسي لتجربة 2012 وبين شرعية الوثيقة الحالية، وكأنه يقول إن أصل النص يطغى على كل التعديلات اللاحقة مهما كانت طبيعتها وحجمها.

 

هذا الخطاب يلتقي مع مواقف سابقة لشخصيات إعلامية وسياسية مؤيدة للسلطة، من بينها النائب والإعلامي مصطفى بكري، الذي كرر في 2015 تقريبًا أن “ما حدث لم يكن وضع دستور جديد بل تعديل دستور الإخوان”، في محاولة لربط أي عيوب حالية في دستور 2014 بمرحلة 2012 وتحميلها المسؤولية.

 

في المقابل، يتعامل الخطاب الرسمي للدولة مع الوثيقة بوصفها “دستور مصر 2014 المعدل 2019”، كما تظهر في منصات متخصصة تجمع الوثائق الدستورية الرسمية، وتضع دستور 2012 كوثيقة مستقلة سبقتها، مع النص على أن الدستور الحالي هو دستور جمهورية مصر العربية وفقًا للتعديلات المعتمدة في أبريل 2019.

 

من 2012 إلى 2014 و2019: مسار سياسي واحد ونصوص مختلفة

 

من الناحية الزمنية، صدر دستور 2012 في سياق ما بعد ثورة يناير، ثم تم تعليق العمل به فعليًا بعد عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، وإصدار إعلان دستوري جديد، ثم تشكيل لجنة الخمسين التي صاغت مشروع دستور عُرض على الاستفتاء في يناير 2014، قبل أن يخضع لتعديلات واسعة في استفتاء أبريل 2019. هذا التسلسل يعني أن وثيقة 2012 لم تُترك قائمة مع تعديل بعض المواد، بل أُعلن دستور جديد محلًّا لها، ثم عُدِّل لاحقًا.

 

عدد من الدراسات الأكاديمية المتخصصة تعاملت مع دستور 2012 ومشروع 2014 باعتبارهما نصين مختلفين، وأجرت مقارنات تفصيلية بينهما؛ من بينها دراسة أ.د. يسري محمد العصار، أستاذ القانون العام في كلية القانون الكويتية العالمية، التي استعرضت “مقارنة بين دستور 2012 ودستور 2014 في مصر”، وانتهت إلى رصد اختلافات جوهرية في بنية النظام السياسي وتوزيع السلطات والحقوق والحريات، وليست مجرد تعديلات شكلية على نص واحد.

 

دستور 2014 كرّس دورًا أوضح للمؤسسة العسكرية، ونقل بعض الصلاحيات داخل مؤسسات الحكم، وأعاد صياغة باب الحقوق والحريات بلغة مختلفة في عديد المواد، بينما جاءت تعديلات 2019 لتطيل مدة الرئاسة إلى 6 سنوات، وتسمح بمدد إضافية للرئيس الحالي، وتوسّع من صلاحياته في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما جعل كثيرًا من الباحثين يتحدثون عن “مسار دستوري جديد” بدأ في 2014 وتم تعميقه في 2019، حتى لو احتفظ النص ببعض الهيكل الشكلي لوثيقة 2012.

 

رابط نص الدستور المعدل على «منشورات قانونية»:

https://manshurat.org/node/14675

 

كيف يقرأ الخبراء والمنظمات طبيعة الدستور القائم؟

 

على مستوى الفقه الدستوري، يتعامل عدد من الأساتذة مع دستور 2014 بوصفه وثيقة مستقلة، وإن صدرت في سياق سياسي متصل بأحداث 2013. الفقيه الدستوري د. محمد نور فرحات، أستاذ فلسفة القانون، قال عقب انتهاء لجنة الخمسين من عملها إن مشروع الدستور الجديد “تخلّص من مواد دستور 2012 التي أثارت الفرقة والاستقطاب”، وهو توصيف يضع الوثيقة في خانة “دستور جديد” لا مجرد تجميل لنص سابق.

 

أ.د. يسري العصار في دراسته المقارنة لم يقدّم دستور 2014 كتعديل محدود، بل كنص يتطلب قراءة كاملة لموازين القوى التي أفرزته، من حيث طبيعة النظام، وموقع الجيش، وباقي السلطات، وعدّ ذلك جزءًا من تطور متسلسل لوثائق متعددة بعد 2011، بلغ عددها – في حصره – 13 وثيقة دستورية مختلفة.

 

الفقيه الدستوري د. رمزي طه الشاعر خصص كتابًا ضخمًا بعنوان “النظام الدستوري المصري – دراسة تحليلية لدستور 2014 المعدل في 2019 مقارنًا بالدساتير السابقة”، تناول فيه بنية الدستور الحالي بالتفصيل، وهو ما يعكس تعامل المدرسة القانونية مع النص كدستور قائم بذاته، تتم مقارنته تاريخيًا بدستور 2012 وغيره، بدل اختزاله في أنه “نسخة معدلة”.

 

من جانب آخر، تابعت منظمات حقوقية دولية تطبيق دستور 2014 عمليًا، واعتبرته الإطار الناظم للتشريع بعد 2013. منظمة «هيومن رايتس ووتش» مثلاً أصدرت في يناير 2016 بيانًا طالبت فيه البرلمان المصري الجديد بمراجعة القوانين “القمعية” التي صدرت بقرارات رئاسية منذ 2013، استنادًا إلى الدستور الذي منح البرلمان حق مراجعة تلك القوانين خلال 15 يومًا من انعقاده، وهو خطاب يعترف بالدستور الحالي كمرجعية قانونية قائمة، مع انتقاد طريقة توظيفه.

 

رابط بيان «هيومن رايتس ووتش»:

https://www.hrw.org/news/2016/01/12/egypt-new-parliament-should-fix-abusive-laws

 

تقرير موسّع آخر لمنظمة العفو الدولية أشار إلى أن دستور 2014 تضمن ضمانات أفضل نسبيًا في مجال الحقوق، لكنه اعتبرها غير كافية، وانتقد الفجوة الكبيرة بين النصوص والتطبيق، خاصة في ما يتعلق بالتعذيب والمحاكمات العسكرية والمدنيين، ما يعني أن الجدل الحقوقي انصبّ على مضمون الدستور وطريقة تطبيقه لا على “نسبته” الإجرائية إلى عام 2012 أو 2014.

 

في التحليل السياسي، رصدت دراسات مثل ورقة “دستور بالغلبة” الصادرة عن المركز العربي للأبحاث، أن الجدل حول توصيف دستور 2014 يعكس انقسامًا أيديولوجيًا؛ معسكر يرى أن لجنة الخمسين كانت أداة بيد المؤسسة العسكرية ورأسها، ومعسكر آخر يعتبر أن الدستور الجديد أنقذ البلاد من “وثيقة إخوانية”، لكن كلا المعسكرين يتعامل عمليًا مع النص القائم كنص جديد جرى تمريره في استفتاء مستقل، لا كملحق تقني بدستور 2012.

 

رابط تحليل عربي21 حول الجدل الدستوري:

https://arabi21.com/story/713720

 

في المحصلة، القول إن الدستور المصري الحالي “مجرد تعديل لدستور 2012” يعكس طرحًا سياسيًا أكثر منه توصيفًا قانونيًا دقيقًا؛ فالوقائع تشير إلى صدور دستور جديد في 2014، ثم تعديله في 2019، مع استمرار الجدل حول شرعية المسار السياسي الذي أفرزه، وطريقة استخدام مواده لتكريس سلطة التنفيذ على حساب باقي السلطات، وهي مسألة أخرى تختلف تقييماتها بين الأطراف، لكنها لا تغيّر من حقيقة أن النص القائم هو دستور 2014 المعدل، لا دستور 2012 نفسه.