تشهد شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة تطورًا جديدًا في أزمة الرواتب التي تفجرت خلال الأشهر الماضية، بعدما قررت إدارة الشركة إحالة مشرف بمحطة الفسطاط إلى التحقيق، على خلفية قيادته مبادرة لجمع توقيعات من العاملين على مذكرة شكوى موجهة إلى الجهاز المركزي للمحاسبات، اعتراضًا على خصومات مالية متكررة من رواتبهم، وصفها العمال بأنها تمت "دون مبرر واضح".
وبحسب إفادات عاملين بالشركة طلبا عدم نشر اسميهما، فوجئ العاملون في يناير الماضي بخصم ألف جنيه من راتب كل منهم، دون توضيح كافٍ لأسباب الخصم.
وأوضح أحدهما أن الأزمة تفاقمت مع امتناع الإدارة عن إصدار قسائم الرواتب التي تُفصّل بنود الأجر والاستقطاعات، وهو ما اعتبره العمال إخلالًا بالشفافية وحرمانًا لهم من حق أصيل في معرفة تفاصيل مستحقاتهم.
وأضاف المصدر ذاته أن أنباءً جرى تداولها داخل قطاعات الشركة بشأن اتجاه لإلغاء قسائم الرواتب نهائيًا، ما أثار حالة من الغضب والقلق بين العاملين، الذين رأوا في ذلك محاولة لحجب المعلومات المتعلقة ببنود الأجور والخصومات.
وفي محاولة لاحتواء الموقف عبر المسارات الرسمية، بادر المشرف المُحال للتحقيق إلى جمع توقيعات على مذكرة جماعية تتضمن شكوى تفصيلية بشأن الخصومات، تمهيدًا لإرسالها إلى الجهاز المركزي للمحاسبات باعتباره جهة رقابية مختصة بمراجعة أوجه الإنفاق والالتزام المالي في الجهات الحكومية وشركات القطاع العام.
وأكد أحد العمال أن جمع التوقيعات لا يزال مستمرًا تضامنًا مع زميلهم، مشيرًا إلى أن الخطوة تعكس مطلبًا جماعيًا لا تحركًا فرديًا، وأن إرسال المذكرة سيتم فور اكتمال عدد مناسب من التوقيعات.
من جانبه، أوضح عامل ثانٍ أن المشرف خضع بالفعل لتحقيق أمام الشؤون القانونية مطلع الأسبوع الجاري، وواجه اتهامات بنشر تدوينات على موقع فيسبوك تتضمن "تحريضًا ضد الإدارة وإثارة الكراهية"، وهي الاتهامات التي نفاها، مؤكدًا أنه لم يتجاوز حقه في التعبير والشكوى بعد تجاهل استفسارات العمال المتكررة بشأن أسباب الخصومات.
وأشار المصدر إلى أن الجزاء المحتمل قد يصل إلى خصم عشرة أيام من راتبه، معتبرًا أن ذلك يأتي في إطار "الترهيب"، خاصة وأن واقعة مماثلة طالت أحد العاملين سابقًا بسبب منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
تأتي هذه التطورات في سياق حالة احتقان مستمرة داخل الشركة منذ نوفمبر الماضي، حين شهدت عدة مواقع ومحطات وقفات احتجاجية متزامنة للمطالبة بحزمة من الحقوق المالية والإدارية، من بينها ضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016، وتطبيق عادل للتدرج الوظيفي في الحد الأدنى للأجور، وصرف فروق الضرائب، إلى جانب المطالبة بإقالة عدد من القيادات الإدارية.
وامتدت رقعة الاحتجاجات آنذاك إلى محافظات الجيزة والشرقية وبني سويف والمنيا، قبل أن يتم تعليقها بعد 13 يومًا، على خلفية وعود بتنفيذ المطالب. غير أن العمال عادوا للاحتجاج في ديسمبر عبر وقفات جديدة في شبكة مياه الحي العاشر، وأخرى أمام شبكة مياه الزيتون، في مؤشر على استمرار حالة عدم الرضا.
ويقول عدد من العاملين إن متوسط صافي الرواتب لا يتجاوز 5800 جنيه شهريًا، وهو ما يرونه غير كافٍ لمواجهة أعباء المعيشة المتصاعدة. وأشار بعضهم إلى اضطرارهم للاعتماد على بطاقات الشراء بالتقسيط والاقتراض من البنوك لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى تراكم مديونيات وصلت لدى بعضهم إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.
وفي ظل هذه الضغوط، باتت الاستدانة من الأقارب والأصدقاء – بحسب رواياتهم – ممارسة شبه شهرية، مع تآكل القدرة على الادخار أو مواجهة الطوارئ، الأمر الذي يجعل أي خصومات إضافية تمثل عبئًا مضاعفًا على موازناتهم الأسرية.

