رغم الوعود المتكررة بتشغيل مونوريل شرق النيل مطلع يناير 2026، ما زالت القطارات متوقفة والحديث مستمر عن "اللمسات الأخيرة"، بينما تتراكم كلفة التأخير على اقتصاد منهك. المشروع، الذي بدأ التعاقد عليه في 2019 ليربط العاصمة الإدارية بمدينة نصر، مع خط ثانٍ إلى السادس من أكتوبر، كان يفترض إنجازه خلال 3 سنوات، لكنه يدخل عامه السابع دون تشغيل تجاري، بتكلفة أصلية تقارب 4.5 مليار يورو، وخسائر تأخير تقدَّر بنحو 45 مليار جنيه تمثل حوالى 18% من التكلفة.

 

مشروع ضخم لخدمة العاصمة الإدارية.. وجدول زمني انهار أمام سوء التخطيط والأزمات المتوقعة

 

المونوريل يمتد لمسافة تقارب 100 كيلومتر، لربط شرق وغرب القاهرة عبر وسيلة نقل كهربائية معلَّقة، ونُفِذ بواسطة تحالف تقوده بومباردييه (ثم ألستوم لاحقًا) بمشاركة أوراسكوم والمقاولون العرب، بتعاقد تصميم وإنشاء وتشغيل وصيانة لمدة 30 سنة، بقيمة تفوق 4.5 مليار دولار (نحو 4.1 مليار يورو).

 

الجدول الأصلي كان يستهدف إنهاء خط العاصمة خلال 34 شهرًا من أغسطس 2019، وخط 6 أكتوبر خلال 42 شهرًا من يناير 2020، وفق بيانات الهيئة القومية للأنفاق والشركات المنفذة، أي تشغيل فعلي قبل 2023، لكن التشغيل التجريبي لم يبدأ إلا في نوفمبر 2024، ولا يزال التشغيل التجاري مؤجلاً حتى "نهاية الربع الأول 2026" بحسب تصريحات رسمية، ما يعني عمليًا تأخيرًا لا يقل عن 3 سنوات عن المخطط.

 

الحكومة تبرر التعثر بثلاثة عوامل: تأخر توفير الدفعة المقدمة بسبب غياب المخصصات في موازنة 2019/2020، ثم جائحة كورونا وتعطل سلاسل الإمداد وانخفاض العمالة، وأخيرًا أزمة الدولار منذ 2022 التي أعاقت استيراد المعدات ورفعت تكاليف التنفيذ بعد تعويم الجنيه. هذه الأسباب حقيقية، لكنها تكشف عن سوء تقدير أولي؛ فمشروع بهذا الحجم، معظم مكوناته مستوردة، كان يفترض أن يُربط منذ البداية بضمانات تمويلية واضحة لعقود طويلة، لا أن يُترك رهينة تقلبات النقد الأجنبي وموازنة عامة تعاني عجزًا مزمنًا.

 

الخبير الاقتصادي د. هاني توفيق حذّر مرارًا من نمط "المشروعات الكبرى بلا دراسة تمويلية متحفظة"، موضحًا أن دخول الدولة في التزامات تتجاوز 4 مليارات دولار لمشروع واحد في ظل هشاشة الاحتياطي ونقص العملة الصعبة يضاعف مخاطر كلفة التأخير؛ فأي تعثر في تدبير العملة يترجم فورًا إلى تعويضات للمقاولين وفروق أسعار، وهو ما حدث فعلًا حين اضطرت الحكومة لإعادة تقييم المستحقات وصرف تعويضات بسبب التضخم وفروق العملة، في اقتصاد يدفع أصلًا ثمن تعويمات متتالية.

 

فجوة عملة وتعويضات ومليارات مهدَرة.. استثمار يخدم العاصمة أكثر مما يخفف أزمة النقل للغالبية

 

تأخر توفير الدفعة المقدمة في 2019، ثم نقل التمويل إلى موازنة 2020/2021، وضع المشروع منذ البداية في موقف مالي ضعيف. ثم جاءت جائحة كورونا لتعطّل الإمداد وتقلّص العمالة، قبل أن تتحول أزمة الدولار منذ 2022 إلى العائق الأكبر: صعوبة استيراد مستلزمات رئيسية، ارتفاع أسعار المكونات المستوردة، وزيادة تكلفة التنفيذ بالجنيه بعد التعويم. وبحسب تقديرات داخلية، أدت هذه العوامل إلى فجوة كبيرة بين قيمة التعاقدات الأصلية وتكلفة التنفيذ الفعلية، ما استلزم إعادة تقييم المستحقات وصرف تعويضات، في وقت تعاني فيه الموازنة شحًّا في الاعتمادات الاستثمارية.

 

تحسن نسبي حدث في 2024 مع تدفق سيولة دولارية بعد صفقات استثمارية كبرى، سمح بتعديل دورة صرف مستحقات المقاولين إلى كل 45 يومًا بدلًا من 3 أشهر، ما سرّع التنفيذ، لكنه لم يمحُ آثار السنوات الضائعة؛ فخسائر التأخير تُقدَّر بنحو 45 مليار جنيه، أي حوالى 18% إضافية فوق تكلفة أصلية مقومة باليورو، في بلد يتفاوض على قروض بمليارات الدولارات لتغطية احتياجات أساسية.

 

الخبير العمراني د. عمرو عصام يشير إلى أن جوهر المشكلة ليس التأخير فقط، بل أولوية المشروع نفسه؛ فمونوريل يربط العاصمة الإدارية و6 أكتوبر بمناطق محددة، لكنه لا يخدم الكتلة الأكبر من مستخدمي النقل العام في القاهرة الكبرى، خصوصًا سكان الأحياء الشعبية والمناطق غير الرسمية. يرى عصام أن بناء خط مكلف فوق مناطق ذات كثافة عالية بالسيارات الخاصة لصالح مشروع العاصمة الإدارية يعمّق التفاوت؛ فالدولة تستثمر مليارات لخدمة موظفين وطبقات أعلى دخلًا تُنقل إلى العاصمة الجديدة، بينما تستمر شبكة الأتوبيسات والمترو الحالية في المعاناة من نقص الاستثمارات والصيانة.

 

الخبير في سياسات النقل الحضري محمد الشاهد يؤكد أن الأولوية في مدن مثل القاهرة يجب أن تذهب لتكثيف أسطول الأتوبيسات وتطوير الترام وربط الضواحي المهمّشة، بدل القفز إلى تكنولوجيا مونوريل مكلفة، سيضطر معها الراكب إلى دفع تذكرة مرتفعة نسبيًا لتعويض تكاليف الإنشاء والتشغيل. نقاشات على منتديات محلية تشير إلى توقع تذاكر بين 25 و30 جنيهًا، وهو سعر قد يكون مقبولًا لبعض مستخدمي العاصمة الإدارية، لكنه مرتفع بالنسبة لملايين العمال والموظفين الذين يعتمدون على الأتوبيسات والمترو التقليدي.

 

"تمصير" التشغيل بعد فوات الأوان.. تخفيض جزئي للكلفة لا يعالج سوء الاختيار من الأساس

 

في أكتوبر 2025، أعلنت الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو تولي تشغيل المونوريل بالشراكة مع ألستوم بدل الاعتماد على إدارة أجنبية كاملة كما كان مخططًا، بقيمة تعاقد تقارب 1.5 مليار يورو لمدة 15 عامًا. الهدف المعلن هو خفض تكلفة التشغيل والصيانة بنسبة تصل إلى 25%، ونقل الخبرات للكوادر المصرية، مع وعد بأن تشكل العمالة المحلية نحو 90% عند بدء التشغيل، وتقليص نسبة الخبراء الأجانب إلى 5% خلال عامين.

 

هذه الخطوة تبدو إيجابية على مستوى "تمصير" التشغيل، لكنها تأتي بعد أن تم حسم الخيار التكنولوجي والمالي الأغلى بالفعل. بمعنى آخر، الدولة تقلل من فاتورة تشغيل المشروع الذي اختارت من البداية أن يكون عالي التكلفة وإنشائيًا معقدًا، بدل أن تطرح منذ البداية سيناريوهات بديلة أقل كلفة وأكثر انتشارًا مثل BRT (أتوبيسات المسارات المخصصة) أو توسيع شبكة المترو والقطارات الخفيفة. التوفير بنسبة 25% في التشغيل لا يغيّر حقيقة أن أصل الاستثمار ضخم، وأن خدمة الدين والقروض ستستمر لعقود.

 

د. هاني توفيق، في نقده المتكرر لسياسة "المشروعات العملاقة"، يلفت إلى أن الحكومات تتعامل مع التكاليف الجارية كإنجاز حين تخفضها نسبيًا، لكنها تتجاهل السؤال الأهم: هل كان من الضروري أصلًا الدخول في استثمار بهذا الحجم في هذا التوقيت؟ يذكّر بأن مصر حصلت خلال السنوات الأخيرة على قروض بمليارات الدولارات لتطوير السكك الحديدية والموانئ، ومع ذلك ما زالت حوادث القطارات مستمرة، ما يعني أن مشكلة النقل ليست فقط في نقص التمويل، بل في ترتيب الأولويات وإدارة الموارد.

 

الخبير العمراني عمرو عصام يحذر من أن المونوريل قد ينتهي به الأمر كخدمة "شبه نخبوية" إن جاء تسعير التذكرة مرتفعًا، وأن تأثيره على تخفيف الزحام العام قد يكون محدودًا مقارنة بالاستثمارات الضخمة المصاحبة له، خصوصًا أن شبكة الطرق المحيطة بالعاصمة الإدارية و6 أكتوبر ما زالت تعاني اختناقات بسبب أعمال الإنشاء والتحويلات، ما يعني أن "النقلة النوعية" التي تتحدث عنها الحكومة قد تظل محصورة في خطاب ترويجي أكثر منها تغييرًا ملموسًا في تجربة النقل اليومي للغالبية.

 

في النهاية، يكشف مونوريل العاصمة عن نمط متكرر في إدارة مشروعات البنية التحتية: قرار سياسي كبير يُتخذ من أعلى، بتكلفة ضخمة مقومة بالعملة الصعبة، دون نقاش عام كافٍ أو دراسة منشورة للجدوى، ثم تعثر وتمديد في الجداول الزمنية، ثم تعويضات وخسائر إضافية تُحمَّل على مجتمع يواجه أصلًا تضخمًا وأجورًا متآكلة. وبينما تروّج الحكومة لمشهد قطار معلّق أنيق يمر بجوار أبراج العاصمة الإدارية، يعرف ملايين الركاب أن أزمتهم الحقيقية ما زالت في الأتوبيس المزدحم والمترو المتقادم وعلى رصيف قطار لم يطله "التحديث" رغم عشرات المليارات التي صُرفت باسمه.