أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين بأن إدارة سجن عوفر تحرم الأسرى الفلسطينيين من الصيام والإفطار في مواعيدهما الصحيحة منذ بداية شهر رمضان، عبر الامتناع المتعمد عن إبلاغهم بأذاني الفجر والمغرب، في خطوة وصفتها الهيئة والمركز الفلسطيني للإعلام بأنها جزء من سياسة عقابية ممنهجة تتقاطع مع شهادات منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية عن تحول السجون الإسرائيلية إلى فضاء منظم للتعذيب والتجويع والإذلال اليومي للأسرى.
حرمان من معرفة وقتي الفجر والمغرب واستهداف مباشر للشعائر الدينية
بيان هيئة شؤون الأسرى أوضح مساء السبت أن إدارة سجن عوفر تتعمد عدم إعلان مواعيد الأذان داخل الأقسام، ما يمنع الأسرى من الإمساك والإفطار في الأوقات الصحيحة، ويدفعهم للاجتهاد الفردي في ضبط مواعيد الصيام داخل ظروف احتجاز مغلقة، وهو ما تعتبره الهيئة مساسًا مباشرًا بسلامة أداء الفريضة، وتقييدًا لحرية العبادة يضاعف من المعاناة اليومية للسجناء في شهر يفترض أن يكون مساحة روحية خاصة للمسلمين.
المحامي خالد محاجنة، محامي الهيئة، قال في تصريحات لإذاعة صوت فلسطين إن أسرى سجن جلبوع فوجئوا بدخول رمضان من دون أي إخطار مسبق من إدارة السجن، وإن بعضهم لم يعلم ببداية الشهر إلا أثناء مثوله أمام محاكم الاحتلال، مشيرًا إلى أن هذا السلوك لا يمكن اعتباره إهمالًا إداريًا عابرًا، بل إجراءً مقصودًا لحرمان الأسرى من الاستعداد النفسي والعبادي للشهر، خصوصًا أن السجون كانت في السنوات السابقة تبلغ الأسرى رسميًا ببدء الصيام وإجراءات تنظيم الوجبات.
يضيف محاجنة أن سلطات السجون تسعى إلى طمس أي مظهر من مظاهر الفرح الديني لدى الأسرى، وتحويل المناسبات الدينية إلى أداة إضافية للتنكيل النفسي، موضحًا أن الأسرى يستقبلون رمضان من دون وجبة سحور منتظمة، وأن الإفطار يتحول إلى معاناة يومية، حيث يجبرون منذ أكثر من عامين على الاكتفاء بكميات شحيحة من الطعام لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، في سياق قيود أوسع على الزيارات وإدخال الملابس والطعام من العائلات.
شهادات منظمات حقوقية: السجون «شبكة تعذيب وتجويع» وحرمان من الحقوق الدينية
سحر فرنسيس، مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان (أحد أبرز المراكز الحقوقية المتخصصة بمتابعة أوضاع الأسرى منذ 1991)، تقول إن حرمان الأسرى من معرفة أوقات الصلاة والصيام يمثل شكلًا واضحًا من أشكال انتهاك حرية الدين والمعتقد داخل السجون، مضيفة أن الضغوط الدينية والنفسية أصبحت جزءًا ثابتًا من أنماط العقاب بعد 7 أكتوبر 2023، إلى جانب الحرمان من الزيارة والحبس الانفرادي والتقييد الشديد للحركة داخل الأقسام.
فرنسيس تشير إلى أن أعداد الأسرى في سجون الاحتلال تجاوزت 9300 أسير مع بداية فبراير 2026، بينهم نساء وأطفال، وأن الحالات الموثقة من التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي ارتفعت بشكل حاد خلال العامين الأخيرين، في ظل توجه رسمي إسرائيلي لتشديد ظروف الاحتجاز بقرار سياسي من المستوى الحكومي، ما يجعل الانتهاكات ذات طابع منهجي لا حالات فردية متفرقة.
من جهتها، وثقت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، في تقرير صدر في يناير 2026 بعنوان «السجون الإسرائيلية شبكة معسكرات تعذيب»، شهادات عشرات الأسرى المحررين عن التعرض للضرب المبرح، والتكبيل لفترات طويلة، والتجويع المتعمد، والحرمان من النوم والرعاية الطبية، ووصفت منظومة السجون بأنها «معسكرات مخصصة لإيقاع الألم» أدت إلى وفاة أسرى داخل الاحتجاز، وهي صورة تتقاطع مع ما يردده الأسرى اليوم عن استقبال رمضان بكميات طعام شحيحة ومنع من ممارسة الشعائر بصورة طبيعية.
الأسيرَة السابقة والحقوقية خالدة جرار، التي خاضت تجارب اعتقال متكررة وتعمل في الدفاع عن الأسرى، ترى أن استهداف شهر رمضان يأتي في سياق أوسع يعتبر فيه الأسير الفلسطيني «موضوعًا للعقاب الكامل» لا لمجرد الحرمان من الحرية، مؤكدة في تصريحات سابقة أن القيود على الصلاة والقراءة الجماعية للقرآن داخل السجون تشكل انتهاكًا لاتفاقيات جنيف التي تلزم سلطات الاحتلال باحترام الشعائر الدينية للمعتقلين، وأن ما يُنقل اليوم من سجون عوفر وجلبوع يؤكد استمرار سياسة استخدام الدين كسلاح ضغط نفسي.
على المستوى الدولي، كانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، قد وصفت في تقرير صدر بجنيف عام 2023 منظومة الاعتقال الإسرائيلية بأنها جزء من «نظام حبس شامل» حوّل الأرض المحتلة إلى «سجن مفتوح»، وأكدت أن الممارسات غير القانونية في السجون، بما فيها الحرمان من الحقوق الأساسية، ترقى إلى جرائم دولية تستدعي تحقيقًا جديًا من المحكمة الجنائية الدولية، وهي ملاحظات تمنح ملف حرمان الأسرى من الصيام الصحيح بعدًا قانونيًا أوسع يتجاوز كونه انتهاكًا دينيًا بحتًا.
نداءات من داخل السجون وخارجها… وملف دولي لحرمان الأسرى من الحرية والعبادة معًا
في مواجهة هذه القيود، نقل أسرى محررون رسالة من معتقلي سجن عوفر، طالبوا فيها أئمة المساجد في القرى القريبة برفع صوت الأذان عبر مكبرات الصوت لأقصى درجة ممكنة، حتى يتمكن الأسرى من سماعه وتقدير أوقات الصلاة والإمساك، في محاولة بديلة لمواجهة حرمان إدارة السجن لهم من أي وسيلة رسمية لمعرفة المواقيت، وهو ما يكشف، وفق نشطاء، عن اعتماد الأسرى على مبادرات شعبية خارج الأسوار لضمان أبسط حقوقهم الدينية داخلها.
بيانات منظمات فلسطينية وإسرائيلية تشير إلى أن أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم نحو 350 طفلًا، موزعون اليوم على سجون ومراكز احتجاز متعددة، في ظروف توصف بالقاسية تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع، والإهمال الطبي، وهو ما أدى خلال السنوات الأخيرة إلى وفاة عشرات الأسرى داخل المعتقل أو بعد فترات قصيرة من الإفراج نتيجة تدهور حالتهم الصحية، بحسب تقارير «بتسيلم» و«الضمير» ومنظمات أخرى توثق هذه الحالات بشكل دوري.
ألبانيزي شددت في أكثر من مناسبة على أن حرمان الأسرى من ممارساتهم الدينية، بما في ذلك الصيام والصلاة الجماعية، يتعارض مع التزامات إسرائيل كقوة احتلال بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحمي حرية الدين والضمير حتى في حالات الطوارئ، وهو ما يفتح الباب، وفق خبراء القانون الدولي الإنساني، لاستخدام ملف رمضان الحالي ضمن مرافعات أوسع أمام آليات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية حول الطابع المنهجي لانتهاكات حقوق الأسرى الفلسطينيين.
سحر فرنسيس تدعو في هذا السياق إلى عدم التعامل مع قضية الصيام داخل السجون كقضية موسمية تنتهي بانتهاء رمضان، بل كجزء من ملف شامل عن الحق في الكرامة والعبادة والرعاية الصحية، مطالبة السلطة الفلسطينية بتفعيل مسارات قانونية أوسع، بما في ذلك طلب زيارات عاجلة من هيئات دولية متخصصة لمعاينة ظروف الاحتجاز خلال الشهر، ورفع تقارير مفصلة عن حرمان الأسرى من السحور والإفطار، وربطها بتقارير سابقة عن التعذيب والتجويع، من أجل تثبيت صلة واضحة بين السياسات المتبعة والأضرار الجسدية والنفسية الواقعة على السجناء.
في المحصلة، تكشف الوقائع التي تنقلها هيئة شؤون الأسرى ومحاموها ومنظمات حقوقية عن سجون عوفر وجلبوع أن حرمان الأسرى من الصيام وفق مواعيده الصحيحة، وطمس مظاهر الفرح الديني في رمضان، ليسا إجراءات معزولة، بل جزء من منظومة أوسع تجعل من السجون الإسرائيلية مساحة مغلقة يجتمع فيها الحرمان من الحرية مع حرمان موازٍ من حق العبادة، في وقت تتزايد فيه المطالبات من خبراء وحقوقيين، فلسطينيين وإسرائيليين ودوليين، بربط هذه الممارسات بمسؤولية قانونية واضحة على المستوى الدولي، وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب دون خطوات عملية لحماية حق آلاف الأسرى في أن يصوموا ويصلّوا وفق معتقدهم حتى وهم خلف الأسوار.

