لم تتوقف بعد ردود الفعل إزاء تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" الذي كشفت فيه عن وجود قاعدة جوية مصرية سرية في منطقة "شرق العوينات" تُستخدم لتشغيل طائرات مسيّرة تركية من طراز "أكنجي" لصالح الجيش السوداني، في عمليات قصف بعيدة المدى داخل الأراضي السودانية.
يأتي ذلك بعد أن رصد محللون تغييرًا في موقف القاهرة تجاه الصراع عندما حققت قوات الدعم السريع سلسلة من التقدم في منطقة دارفور بغربي السودان، حيث استولت أولاً على مثلث استراتيجي في الشمال الغربي بين مصر وليبيا في يونيو، ثم اجتاحت مدينة الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور، في أكتوبر.
ويقع مطار شرق العوينات الذي تنطلق منه الهجمات التي نشتها مسيرات بدون طيار في منطقة زراعية نائية، على بعد حوالي 60 كيلومترًا من الحدود السودانية، وكان يستخدم في المقام الأول لدعم مشروع استصلاح الصحراء قبل الحرب.
دلالات استراتيجية
ويرى محمد موسى وداعة الله، رئيس جبهة النضال الشعبي السوداني، أن اختيار قاعدة "شرق العوينات" ليس تفصيلاً تقنيًا، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة.
وقال وداعة الله لشبكة "ستيب نيوز": “اختيار قاعدة شرق العوينات المصرية، القريبة من المثلث الحدودي السودان ومصر وليبيا، يشير بوضوح إلى أن سلاح الجو التابع للجيش السوداني بات عاجًزً عن العمل من داخل القواعد المحلية التي أصبحت تحت رحمة نيران الدعم السريع. واللجوء لعمق الجوار هو اعتراف ضمني بأن الأجواء السودانية لم تعد آمنة أو كافية لإدارة عمليات نوعية".
ويضيف: "انتقال العمليات إلى قاعدة داخل الأراضي المصرية يعني أن القاهرة انتقلت من مرحلة الدعم الدبلوماسي واللوجستي إلى مرحلة الإسناد العملياتي المباشر. وهذا يضع المنطقة أمام سابقة خطيرة، حيث يتم استخدام أراضي دولة جارة كمنصة انطلاق لضرب أطراف داخلية سودانية، مما يعقد فرص أي تسوية سياسية مستقبلية".
وتقول قوات الدعم السريع إن أراضيها تعرضت لهجمات متكررة بطائرات أكينجي، مؤكدة أن مقاتليها أسقطوا ما لا يقل عن سبع طائرات مسيرة منذ يونيو.
وكان خمس رحلات جوية من أصل ست إلى شرق العوينات، والتي تظهر في بيانات تتبع الرحلات الجوية من موقع "فلايت رادار24" منذ سبتمبر ، قادمة من تركيا. وتشير البيانات إلى أن ثلاثًا من هذه الرحلات كانت لطائرات شحن تابعة للقوات الجوية التركية أقلعت من مدينة تيكيرداج حيث تجرى اختبارات لطائرات أكينجي.
وقال الدكتور محمد تورشين، الخبير في الشؤون الأفريقية: "يبدو أن تقرير نيويورك تايمز يعكس حجم التطورات المتسارعة التي تشهدها الحرب في السودان، بعدما تحولت من شأن داخلي إلى ملف إقليمي ودولي تمس مصالح وأمن عدة دول".
وأضاف: "لا أعتقد أن صحيفة بحجم نيويورك تايمز كانت لتنشر مثل هذا التقرير لو لم يكن موثقًا ودقيقًا. فمصر دولة معنية بشكل مباشر بما يجري، ولديها مصالح واضحة".
التدخل العسكري المصري بالسودان
واعتبرت شبكة "ستيب نيوز" أن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في توصيف ما يجري: هل يشكّل تشغيل مسيّرات تركية من الأراضي المصرية تدخلاً عسكريًا مباشرًا؟
محمد موسى وداعة الله يجيب بحزم: "إذا ثبت انطلاق المسيرات التركية من أراضٍ مصرية، فنحن أمام عدوان عسكري مكتمل الأركان".
وأضاف: "قانونيًا: هذا انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ويعد خرقًا لسيادة السودان، مما يفتح الباب لملاحقات دولية بتهمة تأجيج الصراع. وسياسيًا يعني ذلك سقوط ورقة الحياد المصرية، وتحول القاهرة وأنقرة إلى أطراف في سفك دماء السودانيين، مما يعطي قوات الدعم السريع الحق المشروع في الرد على مصادر التهديد أينما كانت".
أما الدكتور تورشين فيضع الأمر ضمن منطق عسكري مختلف، فيقول: "وجود قاعدة مسيّرات داخل الأراضي السودانية قد يجعلها عرضة للاستهداف من قبل قوات الدعم السريع، سواء عبر طائرات مسيّرة مضادة أو ضربات من أطراف أخرى تدعم الدعم السريع. لذلك ربما فضّل الجانب المصري نقل القاعدة الجوية إلى داخل مصر لتكون أكثر فعالية وأقل عرضة للاستهداف".
ويضيف أن هذا الخيار يعكس حسابات عسكرية بحتة أكثر من كونه إعلانًا رسمياً عن الانخراط المباشر.
ما الذي يدفع مصر وتركيا إلى هذا التدخل؟
وفقًا لمحللين، فإن نشر الطائرات المسيرة في شرق العوينات يعكس تحولاً في الموقف المصري، والذي جاء مدفوعًا بسيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في إقليم دارفور قبل شهور.
ويرى وداعة الله أن "المصلحة هنا ليست استقرار السودان، بل التحكم في قراره"، ويشرح ذلك بالقول: "مصر تسعى للحفاظ على مؤسسة عسكرية سودانية تشبه نمطها التقليدي لضمان أمنها المائي وحدودها الجنوبية، وتخشى من صعود قوة شعبية عسكرية لا تخضع للإملاءات التاريخية".
أما تركيا، وفق وداعة الله، فإنها "ترى في دعم الجيش بوابة لاستعادة نفوذها في البحر الأحمر وتجربة سوق السلاح الخاص بمسيراتها، بالإضافة إلى التنافس مع القوى الإقليمية الأخرى على موطئ قدم في القرن الأفريقي".
من جهته، يقدّم تورشين قراءة أخرى للمصالح المتشابكة، فيقول: “تركيا تسعى بشكل مباشر لتعزيز حضورها في القرن الإفريقي، وقد حافظت على علاقات جيدة مع النظام السابق في السودان. كما أن لديها مصالح اقتصادية متنامية، خاصة بعد أن أصبحت تنتج الكثير من احتياجات السوق السوداني، بما في ذلك المعدات العسكرية.”
ويضيف: “وجدت تركيا في السودان منفذاً مهماً نحو البحر الأحمر، خصوصاً بعد مساعيها السابقة للحصول على موطئ قدم في مدينة سواكن.”
أما مصر، وفق تورشين، فتنظر إلى السودان باعتباره "عمقاً استراتيجياً وسوقاً مشتركاً ومصدراً للمواد الخام، إضافة إلى كونه بوابة اقتصادية وأمنية مهمة."
هل يطيل الدعم الخارجي أمد الحرب؟
يتفق الخبيران على أن التدخل الخارجي كان عاملاً حاسمًا في استمرار النزاع.
يقول وداعة الله بلهجة حادة: "هذا الدعم هو السبب الرئيس في استمرار نزيف الدم. لولا التدخلات الخارجية، لكانت قوات الدعم السريع قد حسمت المعركة لصالح التحول الديمقراطي منذ أمد بعيد".
ويعتبر أن "السودان تحول بالفعل إلى ساحة حرب بالوكالة؛ حيث تضخ دول إقليمية السلاح المتطور لإنقاذ جيش منهار".
أما تورشين فيتحدث بلغة أكثر دبلوماسية، لكنه يصل إلى النتيجة ذاتها ويقول: "لا شك أن الدعم الخارجي أطال أمد الحرب في السودان، فالدعم الخارجي سهّل وصول الأسلحة والتكنولوجيا المتطورة والمقاتلين الأجانب".
ويضيف: "إيقاف الحرب مرتبط بشكل مباشر بوقف الدعم الخارجي، وهو أمر فشل فيه المجتمع الدولي حتى الآن".

