يشهد السوق العقاري مفارقة واضحة؛ فأسعار الفائدة تتراجع، والجنيه يتحسن أمام الدولار، وتوقعات استمرار هذا التحسن حاضرة في معظم التحليلات، لكن المطورين يرفضون الحديث عن أي انخفاض في أسعار الوحدات، ويتمسكون بخطاب يؤكد استمرار الزيادات أو على الأقل ثبات الأسعار، مستندين إلى قفزات سابقة في تكاليف البناء، وسعي لتعويض خسائر، وطبيعة قطاع يبيع اليوم ويسلم بعد 2 إلى 4 أعوام، ما يدفعهم لتسعير حالي مبني على مخاطر مستقبلية لا على تحسن ظرفي في المؤشرات المالية.

 

خسائر سابقة وهوامش ربح متآكلة تدفع الأسعار لأعلى

 

أيمن سامي، مدير مكتب JLL مصر، يلخص تجربة السنوات الماضية بوصفها فترة “شديدة الصعوبة” على المطورين، حيث ارتفعت تكاليف البناء والمواد الخام بشكل غير متوقع، بينما كانت الوحدات مسعرة وفق قوائم أسعار سابقة على موجات التعويم والتضخم، ما أدى إلى تآكل هوامش الربح في مشروعات كثيرة، وجعل بعض الشركات تجاهد فقط لتجنب الخسائر المحققة، مع ترجيح ظهور خسائر فعلية في مراحل متقدمة من التنفيذ، خاصة في المشروعات التي بيعت نسب كبيرة منها بأسعار قديمة قبل الطفرات المتتالية في أسعار الحديد والأسمنت والأراضي والعمالة.

 

يرى سامي أن السوق يتحرك حاليًا في مرحلة “تعويض خسائر”، إذ يحاول المطورون استعادة التوازن المالي بعد سنوات التهمت فيها تكلفة البناء والأراضي معظم الهامش، بينما ارتفعت أسعار العقارات في بعض الشرائح إلى 4 أو 5 أضعاف خلال نحو 5 سنوات، وتجاوز سعر المتر 100 ألف جنيه في مشروعات فاخرة، ما جعل القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المصريين غير قادرة على مجاراة هذا الإيقاع، ورغم ذلك لم يظهر اتجاه منظم لتخفيض الأسعار الاسمية، بل انعكس الضغط في صورة تباطؤ في المبيعات مع استمرار اتجاه صعودي للتسعير الاسمي، وإن كان بوتيرة متفاوتة بين الشرائح والمواقع.

 

طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري ووكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب، يرد على اتهامات تحقيق “أرباح خيالية” بالتأكيد أن هوامش الربح الفعلية لا تتجاوز 10 إلى 15% في أغلب المشروعات الجادة، وأن الحالات التي تظهر فيها مكاسب كبيرة تكون غالبًا في وحدات فارهة أو مواقع شديدة التميز، كما يشير إلى أن أسعار العقارات ارتفعت بين 10 و20 ضعفًا خلال 20 سنة، وتصل في بعض المشروعات إلى 50 ضعفًا، لكن هذه القفزات تراكمية على مدى عقدين، وليست زيادات سنوية يمكن التراجع عنها بمجرد انخفاض مؤقت في الفائدة أو تحسن مرحلي في سعر الصرف، ما يدعم تمسك المطورين بعدم خفض الأسعار حتى في فترات التحسن النسبي.

 

مخاطرة المستقبل أقوى من إشارات الفائدة وسعر الصرف

 

طبيعة النشاط العقاري تجعل العلاقة بين السعر النهائي والظروف الحالية للفائدة وسعر الصرف أقل مباشرة مقارنة بقطاعات تنتج وتبيع في دورة زمنية قصيرة؛ فالوحدة تُباع اليوم على خطط سداد قد تمتد من 2 إلى 4 أعوام أو أكثر، بينما يتحمل المطور تكاليف بناء وتمويل طوال هذه الفترة، ما يجعله يضع في الاعتبار احتمالات عودة التضخم، أو حدوث تعويم جديد للعملة، أو ارتفاع تكلفة التمويل طويل الأجل، أو إعادة تسعير مواد البناء، وبالتالي يصبح تحسن الفائدة أو تحسن الجنيه في لحظة معينة مجرد إشارة قصيرة الأجل في منظور مشروع يمتد تنفيذه وتسليمه لسنوات، ولا يكفي ليقنع الشركات بتخفيض الأسعار أو تغيير النماذج المالية جذريًا.

 

د. ماجد عبد العظيم، خبير التسويق العقاري، يصف الأزمة الحالية بأنها “أزمة تمويل بقدر ما هي أزمة سعر”، موضحًا أن تكلفة العقار مكونة من أرض وبناء وخامات تم استيراد جزء كبير منها أو تأثرت بسعر العملة، وكل هذه العناصر شهدت ارتفاعات حادة في الفترات السابقة، كما أن انخفاض الجنيه كان عاملًا رئيسيًا في تضخم الأسعار، بينما التحسن الحالي للجنيه لم يستمر مدة كافية لتعديل معادلات العقود أو نماذج التسعير طويلة الأجل، لذلك تبدو الشركات أكثر حرصًا على تثبيت الأسعار أو زيادتها تدريجيًا بدل المجازفة بتخفيضات قد تعيدها إلى دائرة تآكل الهوامش، خصوصًا مع عدم وضوح مسار التضخم وسعر الصرف بشكل نهائي.

 

في المقابل، يصرّ شكري على أن وصف السوق بـ“الفقاعة” غير دقيق، مشيرًا إلى أن التمويل العقاري لا يمثل سوى 3 إلى 4% من الناتج، وهو مستوى منخفض إذا قورن بأسواق شهدت انفجارات أسعار، كما أن الطلب على السكن في مصر حقيقي في معظمه، نابع من نمو سكاني يتجاوز 2 مليون فرد سنويًا، وليس فقط طلبًا مضاربيًا، لكنه يعترف بأن تزايد الأسعار والأقساط يشكل عبئًا مباشرًا على المشتري، وأن تجنب حدوث اختناق في الطلب يتطلب معالجة جانب التمويل وليس فقط ترك الأسعار ترتفع تحت ضغط التكلفة.

 

تسهيلات سداد بلا تخفيضات.. وسوق بين استقرار وضغط على المشترين

 

أمام هذه المعطيات، يميل المطورون إلى استخدام أدوات “ناعمة” لتنشيط الطلب بدل خفض الأسعار المباشرة؛ إذ يشير أيمن سامي إلى توسع الشركات في تقديم عروض على الوحدات الجاهزة، أو تعديل خطط السداد بشكل يتيح مدد تقسيط تصل إلى 10 أو 15 سنة في بعض الحالات، مع خفض الدفعة المقدمة أو منح فترات سماح في السداد، لتخفيف العبء الشهري على المشتري دون المساس بسعر المتر الرسمي في العقود، وبذلك تحافظ الشركات على مستوى سعر اسمي مرتفع، بينما تعيد توزيع تكلفة الوحدة على سنوات أطول، ما يجعل القرار الشرائي أقل حدة على الدخل الشهري، لكن بثمن التزامات ممتدة لسنوات طويلة.

 

وزير الإسكان شريف الشربيني يؤكد بدوره أن “المواطن المصري لديه عقيدة أن الاستثمار في العقار هو الأكثر أمانًا”، ويقرر بشكل مباشر أن “الأسعار مش هتنزل”، مع الإشارة إلى إمكانية حدوث “ثبات نسبي” في الأسعار، مقابل تقديم تيسيرات في السداد تصل أحيانًا إلى 15 سنة، ويربط الشربيني تماسك الأسعار بحجم الطلب الحقيقي على السكن، وهو طلب يظل قويًا في ظل نمو سكاني مرتفع وغياب بدائل ادخارية طويلة الأجل تحقق للمواطن إحساسًا بالأمان، ما يبقي العقار ملاذًا مفضلًا لمدخرات الأسر حتى مع اتساع الفجوة بين الأسعار المعلنة والقدرة الفعلية على الشراء لدى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى.

 

بعض الخبراء يحذرون من أن الإفراط في إطالة مدد التقسيط وتحميل المشترين التزامات تمتد لعقود في ظل دخول ثابتة أو بطيئة النمو، قد يخلق حالة “إجهاد مالي” للأسر، ويحد على المدى المتوسط من الطلب الحقيقي في الطبقة الوسطى، لصالح شريحة أصغر من ذوي الدخول المرتفعة أو المستثمرين الذين يشترون أكثر من وحدة بهدف التحوط أو إعادة البيع، ما يوسع الفجوة بين أسعار العرض المعلنة وبين القدرة الشرائية الفعلية، ويجعل السوق يبدو نشيطًا على الورق بأرقام مبيعات محجوزة، بينما قدرة التسليم والسداد الفعلي تعتمد على استمرار قدرة هذه الشرائح على تحمل الأقساط مع أي تغير اقتصادي جديد.

 

من زاوية الحلول، يطرح شكري تصورًا لبرامج تمويل عقاري بفائدة مدعومة تتراوح بين 8 و12% للأسر، باعتبارها أداة لتخفيف العبء على المشتري دون إجبار المطورين على تخفيض الأسعار أو التضحية بهوامشهم، ويشير إلى أنه تقدم بمقترحات في هذا الاتجاه لرئيس الوزراء، في محاولة لخلق معادلة تجعل السعر النهائي قابلًا للتحمل عبر دعم الفائدة بدل الضغط المباشر على أسعار المتر، وهي مقاربة تعكس قناعة لدى مطورين ومسؤولين بأن المساس بمستوى الأسعار نفسه ليس خيارًا مطروحًا حاليًا إلا في سيناريوهات قهرية.

 

في تقدير أيمن سامي، يتجه السوق خلال 2026 إلى “مرحلة توازن” مع زيادات سعرية محدودة تتراوح بين 10 و30% حسب الموقع وطبيعة المشروع، بعيدًا عن القفزات الحادة التي شهدتها السوق بعد التعويمات السابقة، لكنه لا يرى مؤشرات جدية على انخفاض الأسعار الاسمية، إلا في سيناريوهات استثنائية مثل تراجع جديد وحاد في قيمة الجنيه إلى مستويات 55 جنيهًا للدولار أو أكثر، ما قد يفرض تصحيحًا مؤقتًا بفعل قوة الطلب الخارجي أو تغير هيكل التكلفة، قبل أن يعود الاتجاه الصعودي مجددًا على المدى الأطول، مستفيدًا من طبيعة السوق المحلية المعتمدة على طلب سكني حقيقي ومستمر.

 

في المحصلة، الرسالة الصادرة من المطورين الكبار وخبراء القطاع واضحة؛ لا انهيار في أسعار العقارات في مصر في الأفق القريب، بل استقرار نسبي مع زيادات أقل حدة، بينما تُستخدم التسهيلات في السداد كأداة أساسية للحفاظ على حركة المبيعات، بالنسبة للمشتري يعني ذلك أن الرهان على “هبوط كبير” في الأسعار لمجرد تحسن الفائدة أو الجنيه قد يكون رهانًا غير واقعي في المدى المنظور، وبالنسبة للسوق يعني استمرار اختبار قدرة المطورين على حماية هوامشهم، دون دفع شرائح واسعة من المشترين إلى خارج المعادلة، في اقتصاد لا يزال يتعافى ببطء من موجات تضخم وصدمات متتالية في سعر الصرف.