في بلد يرفع شعار «العلم والإيمان» منذ عقود، تكشف التقديرات الرسمية عن إنفاق سنوي يتجاوز 10 مليارات جنيه على الدجل والشعوذة، في مشهد يعكس مفارقة حادة بين خطاب ديني رسمي يدعو للعقل والعلم، وواقع اجتماعي يتسع فيه نفوذ المشعوذين و«عرّافي السوشيال ميديا».
وزارة الأوقاف دخلت على الخط بقوة؛ حملات توعوية، ومجالس فقه، وندوات علمية، خاصة في المحافظات الحدودية التي تعتبرها أكثر هشاشة أمام الظاهرة بسبب ضعف الحضور الأكاديمي الشرعي فيها. لكن وراء هذا الحراك المنظّم يظل السؤال قائمًا: هل تكفي المعركة من فوق المنبر، بينما تتكفل الأزمات الاقتصادية والنفسية بدفع البسطاء إلى أبواب الدجالين؟
المحافظات الحدودية في مرمى الشعوذة.. فراغ معرفي أم هشاشة اجتماعية؟
تدرك وزارة الأوقاف أن جزءًا من قوة الدجل والشعوذة يأتي من وجود فراغ معرفي ودعوي في أطراف البلاد أكثر مما هو في قلبها. لذلك يؤكد المتحدث باسم الوزارة، الدكتور أسامة رسلان، أن التركيز في الفترة الأخيرة يتجه إلى المحافظات الحدودية، حيث تقل الكليات الشرعية والمعاهد الدينية المتخصصة، وحيث يعتمد الناس غالبًا على الموروث الشعبي أكثر من اعتمادهم على خطاب ديني علمي منضبط.
هذا التوجّه يُترجم عمليًا في شكل مجالس فقه وندوات علمية وحلقات نقاش في المساجد الكبرى ومراكز الثقافة الإسلامية، بهدف إعادة ربط الناس بمنهجية فهم الدين عبر الدليل والنقاش، لا عبر القصص والأساطير والتجارب الفردية. فالشعوذة – كما يصفها رسلان – «ظاهرة متجددة لا ترتبط بزمن»، تظهر أينما غاب الوعي، وتتمدّد حين يتحول الدين إلى طقوس مبهمة منفصلة عن العقل.
إلا أن المحافظات الحدودية لا تعاني فقط من نقص الكوادر الشرعية، بل تعاني أيضًا من تهميش تنموي مزمن: بطالة، ضعف في الخدمات، هشاشة في شبكات الحماية الاجتماعية. في بيئة كهذه، لا يكون «الولي» أو «المشعوذ» مجرد شخص يدّعي العلم بالغيب، بل يتحول أحيانًا إلى وسيط اجتماعي ونفسي؛ يسمع الشكاوى، ويعد بالفرج، ويمنح من يلجأ إليه إحساسًا زائفًا بالسيطرة على مصيره.
هنا يتجاوز التحدي حدود الخطاب الديني إلى سؤال أوسع: ما جدوى وعظٍ لا يواكبه تحسن في الواقع المعيشي، وما قدرة خطبة الجمعة على منافسة من يقدّم «حلًا سريعًا» – ولو وهميًا – لقلق البطالة، أو تعقيدات الزواج، أو مخاوف المرض؟
10 مليارات جنيه.. اقتصاد ظل روحي يستثمر في الخوف والألم
الرقم الذي تتحدث عنه التصريحات الرسمية – أكثر من 10 مليارات جنيه تنفق سنويًا على الدجل والشعوذة – لا يعبّر فقط عن حجم الإقبال، بل يكشف وجود اقتصاد موازٍ متكامل يتغذى على اليأس والاضطراب النفسي. نحن أمام منظومة لا تقتصر على «شيخ» يجلس في غرفة مغلقة، بل شبكات تمتد من العيادات الوهمية إلى البرامج التلفزيونية، ومن صفحات التواصل الاجتماعي إلى «غرف واتساب» مغلقة تُباع فيها وصفات وأحجبة وجلسات فك سحر وعلاج «مسّ» بأرقام فلكية مقارنة بدخول الفقراء.
هذه المنظومة تعمل، في الغالب، خارج الإطار القانوني والضريبي؛ فلا فواتير، ولا عقود، ولا رقابة فعلية. ومع ذلك، فهي تستفيد من ثغرات ثقافية وقانونية في آن واحد: ثقافيًا، لأن كثيرين ما زالوا يخلطون بين الرقية الشرعية المنضبطة وبين ممارسات لا سند لها في دين أو طب، وقانونيًا لأن إثبات «النصب» في قضايا من هذا النوع ليس سهلًا دائمًا، خاصة إذا كان الضحية نفسه مقتنعًا بما جرى معه أو مترددًا في الاعتراف بتعرضه للاستغلال.
اللافت أن هذا الاقتصاد الموازي لا يعيش فقط على هامش الدولة، بل يتسلل أحيانًا إلى داخلها؛ فبعض الحالات ترتبط بأسماء لها حضور إعلامي أو اجتماعي، وبعض «المعالجين» يستخدمون لغة دينية مخففة تمنحهم حصانة اجتماعية. وبينما تتحدث وزارة الأوقاف عن «منهجية عقلية وعلمية»، يواصل هؤلاء تقديم الوهم في صورة «إيمان أقوى» أو «تدين أعمق»، فيستميلون من يشعر بالفراغ أو الغربة داخل الخطاب الديني الرسمي.
هكذا، يصبح إنفاق مليارات الجنيهات على الدجل ليس فقط نزيفًا ماديًا، بل مؤشرًا على اختلال أعمق في الثقة: ثقة المواطن في المؤسسات الصحية والنفسية، وثقته في قدرة المؤسسات الدينية الرسمية على ملامسة أوجاعه الحقيقية، بعيدًا عن اللغة العامة والمنابرية.
بين منابر الأوقاف والقانون والتعليم.. كيف تُخاض معركة الوعي؟
ما تعلنه وزارة الأوقاف من تحركات يؤكد إدراكها أن مواجهة الدجل ليست معركة فتاوى فقط، بل معركة بنية فكرية كاملة؛ إذ تتحدث عن ربط الدين بالعقل، وترسيخ التفكير النقدي، ومنع تحويل الإيمان إلى وسيلة للابتزاز. هذا الخطاب يتقدم خطوة على التصورات القديمة التي كانت تكتفي بوصف الشعوذة بأنها «حرام» دون تفكيك أسباب انتشارها.
مع ذلك، يبدو أن المعركة تحتاج إلى جبهة أوسع من مجرد المساجد والندوات. فمن دون تعليم يُدرّب التلاميذ على السؤال والتحليل بدل الحفظ والتلقين، سيظل العقل مهيّأ لتصديق القصص الخارقة. ومن دون دعم حقيقي لخدمات الصحة النفسية، سيظل الاكتئاب والقلق والتفكك الأسري يغذّي الحاجة إلى «من يسمع ويفسّر» ولو بثمن باهظ. ومن دون قوانين تطبق بصرامة على من يثبت تورّطه في النصب باسم الدين، ستبقى الرسالة الضمنية أن المخاطرة مجدية طالما أن العقاب متراخٍ أو بطيء.
الجهود الأمنية والرقابية – حين تتدخل – تنجح أحيانًا في إغلاق عيادة أو إسكات برنامج، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغيّر بنية الاعتقاد الشعبي. فكل «دجال» يسقط، يمكن أن يحل محله آخر ما لم تتغير التربة التي ينبت فيها: تربة الخوف من المستقبل، والبحث عن حلول سريعة، وضعف الثقة في العلم والمؤسسات.
في النهاية، معركة الدولة مع الدجل والشعوذة هي اختبار لمدى جدّيتها في بناء «مواطن ناقد»، لا «مستمع مطيع». فالتدين الذي تريده المؤسسات الدينية اليوم – كما تقول – هو تدين يربط بين النص والعقل والواقع. لكن هذا التدين لن يولد من خطب الجمعة وحدها، بل من مدرسة لا تخاف من الأسئلة، ومن إعلام لا يخلط بين الإيمان والتهويل، ومن سياسات اجتماعية تقلل من شعور الناس بالعجز، فلا يضطرون إلى البحث عن خلاصهم في فنجان قهوة، أو ورقة حجاب، أو شيخ يعدهم بأن يغيّر قدرهم مقابل أجر بالدقيقة.

