رصدت منصة اللاجئين في مصر تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين خلال الفترة ما بين أواخر ديسمبر 2025 ونهاية يناير 2026.

 

وقالت إن الإجراءات المتخذة في هذه الفترة تجاوزت الطابع المتفرِّق أو العَرَضي لتتبلور في شكل نمط ممنهج من الإبعاد القسري المقنّع، استهدف على نحوٍ خاص المجتمعات السورية والسودانية في عدد من المحافظات المصرية.

 

يأتي التصعيد في سياق من التشديد الأمني المتزامن مع توسّع التعاون المصري-الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود.

 

وأُعلن عن حزم تمويلية من الاتحاد الأوروبي لمصر تتجاوز 7.4 مليار يورو بين 2024 و2027، يتضمن بعضها مئات ملايين اليورُوَات مخصّصة لمشروعات إدارة الهجرة وضبط الحدود، مع تخصيص مباشر لا يقل عن 200 مليون يورو لمشروعات "مكافحة الهجرة غير النظامية" و"العودة وإعادة الإدماج". 

 

وحذّرت تحليلات حقوقية ومنظمات دولية من أن هذا النموذج القائم على “تفويض” دول العبور دور حارس البوابة الأوروبية، يجعل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء شركاء في النتائج العملية لهذه السياسات، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والاحتجاز في أوضاع لا إنسانية، والإبعاد القسري إلى بلدان نزاع مثل السودان.

 

تشديد شروط حصول السوريين على الإقامة

 

وفيما يتعلق باللاجئين السوريين في مصر، رصد التقرير تصاعدًا متدرّجًا في قيود الإقامة ومتطلبات التسوية القانونية خلال الأشهر السابقة، من خلال تشديد شروط الحصول على الإقامة، ووقف تجديد الإقامات السياحية، واشتراط موافقات أمنية وإجراءات مكلفة ومعقدة، ما دفع فعليًّا عشرات الآلاف من السوريات والسوريين إلى حالة "عدم انتظام قانوني قسري" رغم كونهم لاجئين مسجّلين أو مقيمين مستقرّين منذ سنوات. 

 

وقالت المنصة إن هذه الهشاشة البنيوية في الوضع القانوني، جعلت السوريين في موقع قابل لتوصيفهم في أي لحظة كـ"مخالفين" عبر حملات تفتيش أو استيقاف مفاجئة في الشوارع وأماكن العمل والسكن، ورفعت من إمكانية تعرضهم للتوقيف والاحتجاز والتهديد بالترحيل، بدل أن توفّر لهم منظومة اللجوء والإقامة حدًّا أدنى من الأمان القانوني.

 

احتجاز وترحيل اللاجئين السودانيين

 

وفي المسار نفسه، بلغ التصعيد ضد السودانيين ذروة جديدة مع نهاية 2025؛ إذ أظهر تحقيق استقصائي موسَّع -شاركت فيه منصّة اللاجئين في مصر- أن السلطات كثّفت بشكل كبير من احتجاز وترحيل اللاجئين السودانيين، إلى حدّ أفادت معه مصادر بأن بعض أقسام الشرطة في القاهرة ترسل تقارير عن ترحيل مئات الأشخاص أسبوعيًّا إلى أسوان تمهيدًا لإعادتهم إلى السودان. 

 

ورصدت منصة اللاجئين في تقاريرها، احتجاز مئات السودانيين بين أبريل وأغسطس 2025 في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومطروح، إضافة إلى أكثر من 1500 حالة احتجاز متبوع بالترحيل منذ أغسطس من العام نفسه، في مسار تصاعدي توّجته نهاية 2025 بحملة هي الأوسع من نوعها.

 

وشملت هذه الحالات لاجئين وطالبي لجوء يحملون بطاقات المفوضية، وأبلغ بعضهم عن مصادرة هذه البطاقات في أثناء الاحتجاز، بل وعن تغيير أو تزييف صورة ملفاتهم لإظهارهم كأشخاص ضُبطوا قرب الحدود دون أوراق أو حماية، فيما وصفته المنصة بأنه انتهاك صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية وللضمانات الإجرائية الأساسية التي تكفل الحق في مراجعة قانونية فعّالة قبل أي إجراء إبعاد.

 

ويتقاطع هذا مع ما وثّقته مراسلات المقررين الخواص للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية خلال يناير 2026 بشأن التصاعد غير المسبوق في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري بحق اللاجئين وطالبي اللجوء، بمن فيهم المسجَّلون لدى المفوضية وحملة تصاريح إقامة سارية. 

 

فقد أشار تواصل أممي حديث مع الحكومة المصرية إلى زيادة بنسبة 121% في اعتقال واحتجاز المسجَّلين لدى المفوضية بين يناير-أغسطس 2024 والفترة نفسها من 2025، وإلى تقديرات تُشير إلى ترحيل ما بين 10 آلاف إلى 22 ألف لاجئ وطالب لجوء سوداني خلال عام 2024، في نمط متصاعد بلغ ذروة جديدة مع نهاية 2025.

 

وخلال الفترة من 20 ديسمبر 2025 إلى 1 يناير 2026، رصد التقرير دخول أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر في سياق استثنائي اتّسم بحملة أمنية متصاعدة وممتدة، تميّزت عن موجات التضييق السابقة من حيث حدّتها واتساع نطاقيْها الزمني والجغرافي.

 

وشهدت هذه الفترة اتساعًا ملحوظًا في أنماط التوقيف والاحتجاز ومحاولات الترحيل، شمل مداهمات واقتحامات لمساكن لاجئين ولاجئات، واحتجاز نساء وأطفال، وبلاغات عن اختفاء أشخاص بعد توقيفهم في الشوارع أو في وسائل النقل العامة ومحطات المترو، إلى جانب استهداف أحياء ومناطق معروفة بوجود كثيف للسودانيين وجنسيات إفريقية أخرى. 

 

مداهمات واقتحامات لمساكن اللاجئين 

 

ومنذ 20 ديسمبر 2025 تقريبًا، رصدت منصّة اللاجئين في مصر مداهمات واقتحامات لمساكن لاجئين ولاجئات في بعض المناطق، إلى جانب تسجيل عشرات حالات التوقيف في الأسبوع الأخير من ديسمبر، شملت أشخاصًا يحملون تصاريح إقامة سارية أو في طور التجديد، بما يعكس تعامُلًا ينظر إلى وجود اللاجئين نفسه كـ”مشكلة أمنية” بصرف النظر عن الوضع القانوني الفعلي لحاملي الإقامات.

 

وخلال يناير 2026 شهد الفضاء الرقمي في مصر موجة منظَّمة من خطابات الكراهية والتحريض ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، تزامنت مع التصعيد الأمني على الأرض واستُخدمت عمليًّا لتبريره وتطبيعه مجتمعيًّا. رصدت "منصّة اللاجئين في مصر" تنشيطًا مكثّفًا لعدد كبير من الحسابات على منصّات التواصل الاجتماعي، كثيرٌ منها بلا هوية واضحة أو ببيانات تعريفية مضلِّلة، عمدت إلى نشر روايات كاذبة أو غير موثَّقة عن اللاجئين، وربطت وجودهم بالجريمة والانهيار الاقتصادي، وتعميم وقائع فردية -حقيقية أو مختلَقة- لتأليب الرأي العام ضدهم على أساس الجنسية أو اللون.

 

ومع بداية يناير 2026، وثّق بيان حقوقي مشترك صادر عن منظمات مصرية ودولية تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والممارسات تجاه المواطنين السوريين المقيمين واللاجئين في مصر، عبر تغييرات إدارية وقانونية مفاجِئة رافقتها حملات أمنية واسعة. 

 

ترحيل قسري مقنَّع

 

ووصف البيان ما يجري بأنه سياسة “ترحيل قسري مقنَّع” تتجاوز مجرد “تطبيق قواعد الإقامة”، وتهدف عمليًّا إلى دفع السوريين إلى مغادرة البلاد تحت ضغط الخوف من التوقيف والاحتجاز والإبعاد، في ظل انتشار كمائن أمنية وحملات مداهمة في أحياء معروفة بتجمّع السوريين في القاهرة والجيزة والإسكندرية وغيرها، مع توقيف أفراد وعائلات في الشوارع وأماكن السكن والعمل والتجارة لمجرّد الاشتباه في غياب الإقامة السارية، ما خلق موجة واسعة من الخوف والانسحاب شبه القسري من الفضاء العام.

 

ومنذ منتصف يناير ، سجّلت منصة اللاجئين في مصر موجة جديدة من التصعيد استهدفت بوجه خاص اللاجئين السودانيين واتسمت الحملة التي ما زالت مستمرة بالآتي:

 

تركّزت الحملة في مناطق ذات كثافة سودانية مرتفعة مثل فيصل، مدينة نصر، و6 أكتوبر، إضافة إلى أحياء أخرى في القاهرة الكبرى والإسكندرية معروفة بتواجد مجتمعات سودانية وإفريقية.
شملت الإجراءات حملات تفتيش واستيقاف يومية، وتوقيف أفراد في الشارع أو أمام محلاتهم أو من داخل مساكن مشتركة، مع نقل مئات في كل المناطق إلى أقسام شرطة ومقار احتجاز تمهيدًا لإعادتهم إلى محافظات حدودية أو ترتيبات ترحيل لاحقة.

 

توقيفات عشوائية وغير مبنية على أسباب، إذ إن النوع الاجتماعي وخلفيات وأعمار الموقوفين/ات مختلفة تمامًا عن بعضهم بعضًا.

 

اتسمت الحملة بالشراسة، إذ يتم توقيف الجميع بلا استثناء وبأعداد كبيرة، يتم نقلهم/هن، عبر سيارات الشرطة الرسمية وغير الرسمية لأقسام شرطة ومعسكرات أمنية قريبة من مكان التوقيف.

 

وشملت الحملة جميع المناطق التي يقيم بها السودانيون بالقاهرة الكبرى (وتركزت في الأحياء ذات الكثافة العالية لهم في القاهرة والجيزة).

 

وثق الباحثون/ات حملات تفتيش واسعة على المحالّ والمقاهي والمطاعم التي يديرها أو يعمل بها لاجئون، لا سيما سوريون وسودانيون، إلى جانب حملات استيقاف في الأحياء التي يقيمون فيها.

 

تضمنت الحملة استهداف واقتحام لمساكن اللاجئين/ات والمهاجرين/ات في مناطق مختلفة من بينها السادس من أكتوبر ومدينة نصر وفيصل والقطامية والدقي وأرض اللواء.

 

شملت الحملة تفتيشًا على الشقق المستأجرة من أجانب في العديد من دوائر أقسام الشرطة في القاهرة الكبرى.

 

شملت التوقيفات مسجَّلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبعض من لديهم تصاريح إقامة سارية أو منتهية حديثًا وكانوا في انتظار استكمال إجراءات التجديد، وكذلك من يحملون بطاقات لجوء تخوّلهم قانونًا استصدار الإقامة، ومن لديهم مواعيد تسجيل أو بانتظار تصريح الإقامة.

 

شملت الحملة توقيفات على الطرق المؤدية من أو إلى المناطق والأحياء المعروفة بكثافة عالية من اللاجئين/ات والمهاجرين/ات، خاصة السوريين/ات والسودانيين/ات.

 

شملت الحملة توقيفات تمت في محطات قطار المترو في القاهرة الكبرى، بحسب إبلاغات العائلات، وأيضا في مواقف الميكروباص والحافلات (الأتوبيسات) العامة.

 

شملت الحملة أيضًا توقيفات واحتجاز مدرسين وطلابًا، بينما تم توثيق اقتحام عناصر الأمن لمدارس سودانية في مناطق (فيصل وأرض اللواء بالقاهرة الكبرى).

 

كما وثق التقرير حالات احتجاز لأشخاص كانوا في عزاء متوفَّى بعد اقتحام أفراد الأمن للعزاء.

 

خمسة آلاف محتجز خلال أسبوعين 

 

وتشير التقارير الواردة من مجتمعات اللاجئين إلى أن الموقوفين يتخطون خمسة آلاف محتجز خلال الأسبوعين الأخيرين فقط.

 

وبحسب التقارير الواردة لمنصة اللاجئين في مصر وإبلاغات مجتمعات اللاجئين والعائلات، فإن المناطق والأحياء التي شملتها حملات التوقيف والاعتقال خلال فترة التقرير كانت:

 

القاهرة: (وسط البلد، القطامية، المقطم، المطرية، عين شمس).

 

الجيزة: (الدقي، العجوزة، منطقتا الهرم وفيصل، بما في ذلك شارع فيصل الرئيسي وأحياء مثل الطالبية، أرض اللواء، بولاق الدكرور، بعض أحياء السادس من أكتوبر، ومنطقة المهندسين، خاصة شارع جامعة الدول العربية).


شملت الحملات أيضا مدنًا في أطراف القاهرة الكبرى مثل (مدينة الرحاب، مدينة بدر).

 

الشرقية: (مدينة العاشر من رمضان).

 

الإسكندرية: (ميامي، محرم بك، برج العرب، الشاطبي، سموحة، الكيلو 45).

 

كما شملت عمليات التوقيف أيضا أشخاصًا في محافظات: (أسوان، والغردقة).

 

وأوضحت عائلات ومحامون أن المحتجزين يُكدَّسون في زنازين ضيّقة، مع نقص حاد في أماكن النوم والتهوية، وضعف شديد في النظافة، وغياب للطعام والمياه الكافِيَيْن، في امتداد لأنماط موثّقة سابقًا عن أوضاع الاحتجاز في مصر عامة، وصفتها تقارير دولية بأنها "قاسية وغير إنسانية" ومرتبطة بحالات وفاة نتيجة الإهمال الطبي.