في ضربة جديدة لصناعة تعد من آخر القطاعات الثقيلة القادرة على التصدير في مصر، أعلنت وزارة التجارة الأميركية فرض رسوم تعويضية أولية بنسبة 29.51% على واردات حديد التسليح المصري، بزعم حصول المنتجين على دعم حكومي، لتُضاف إلى رسوم سابقة بنحو 10%، وترفع العبء الكلي إلى قرابة 40% على المنتج المصري في السوق الأميركية.

 

في المقابل، خرج الرئيس التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، محمد حنفي، ليؤكد أن قرار واشنطن لا يستند إلى أي دعم فعلي، بل إلى “مقالات في الإعلام” تطالب بدعم الصناعة لم تُترجم إلى قرارات، معتبرًا أن الأساس الفني للتحقيق الأميركي هش، وأن المعركة لا تزال في بدايتها ويمكن تغيير نتيجتها بالمفاوضات.

 

لكن خلف لغة التهدئة، تكشف الأرقام والسياق أن ما يجري ليس مجرد “سوء فهم فني”، بل صدام واضح بين حماية أميركية متوحشة من جانب، ودولة مصرية مرتبكة لم تُحسن إدارة ملف دعم الصناعة والتجارة الخارجية من جانب آخر، لتترك مصانعها وعمّالها تحت رحمة قرارات خارجية.

 

اتهامات دعم بلا سند.. وقرار أميركي عقابي بغطاء قانوني

 

بحسب ما كشفه محمد حنفي، فإن التحقيق الأميركي استند بشكل أساسي إلى “مطالبات في وسائل الإعلام” داخل مصر تتحدث عن ضرورة دعم صناعة الحديد، دون أن تتحول إلى برامج دعم حكومي فعلي، أو حزم تحفيز واضحة ومعلنة. ومع ذلك، قررت وزارة التجارة الأميركية اعتبار أن منتجي ومصدّري حديد التسليح في مصر يحصلون على “إعانات حكومية خاضعة للرسوم التعويضية”، وفتحت تحقيقًا يغطي الفترة من 1 يناير حتى 31 ديسمبر 2024، مع سريان القرار الأولي من 13 يناير 2026، على أن يصدر القرار النهائي في موعد أقصاه 26 مايو 2026 ما لم يُؤجَّل.

 

الرسوم الجديدة البالغة 29.5% تُفرض فوق رسوم سابقة بنسبة 10%، ما يعني عمليًا خنق تنافسية حديد التسليح المصري في السوق الأميركية، خاصة أن هامش الربح في هذه الصناعة محدود، وأي زيادة بهذا الحجم في الكلفة الجمركية تجعل المنتج المصري “خارج المنافسة” لصالح المنتجين الأميركيين أو منافسين آخرين أقل استهدافًا.

 

اللافت أن حنفي يصف الأساس الأميركي بأنه “ضعيف فنيًا”، لأنه لا توجد قرارات دعم رسمية، ولا برامج دعم مباشر مرصودة يمكن البناء عليها، ما يطرح سؤالًا سياسيًا قبل أن يكون فنيًا:

 

هل تعاقِب واشنطن مصر على مجرد خطاب داخلي يتحدث عن دعم الصناعة، أم أن القرار جزء من موجة أوسع من الحماية الاقتصادية الأميركية في مواجهة صادرات بلدان نامية تحاول اقتناص حصة من سوق الحديد العالمي؟

 

في كل الأحوال، النتيجة واحدة: الصناعة المصرية تدفع ثمنًا ثقيلًا لملف دعم لم يُنفَّذ على أرض الواقع، ولم يُصمَّم بشكل احترافي يراعي قواعد التجارة الدولية ويحمي البلاد من هذا النوع من المقاضاة.

 

من أوروبا إلى أمريكا: صناعة محاصَرة خارجيًا ومُهمَلة داخليًا

 

القضية الأميركية تأتي بعد سنوات من معركة أخرى مع الاتحاد الأوروبي، حيث فرضت بروكسل رسومًا على صادرات الحديد المصري استنادًا إلى “زيادة مفاجئة” في الكميات واعتبار ذلك شكلًا من أشكال الإغراق، قبل أن تنتهي المفاوضات بخفض الرسوم إلى نحو 16%، بحسب حنفي. الفارق هنا أن أوروبا بررت موقفها بـحجم وتوقيت الصادرات، بينما تلجأ واشنطن إلى ذريعة “الدعم الحكومي” رغم نفي الصناع وجوده فعليًا.

 

عمليًا، نجد الصناعة نفسها اليوم محاصرة بين:

 

•  رسوم أوروبية على أساس “إغراق” مزعوم،

 

•  ورسوم أميركية على أساس “دعم” غير مُثبت،

 

•  وسوق داخلية تعاني من ركود واستثمارات مضغوطة وكلفة تمويل وطاقة مرتفعة.

 

الأرقام تكشف حجم الضغط:

 

•  صادرات مصر من الحديد والصلب ارتفعت في سبتمبر الماضي بنسبة 42% لتسجل 190 مليون دولار مقابل 134 مليون دولار في سبتمبر 2024.

 

•  لكنها تراجعت في أول 9 أشهر من 2025 إلى 1.4 مليار دولار مقابل 1.65 مليار في الفترة نفسها من 2024، ما يعني فقدان جزء من القدرة التصديرية على مدار العام.

 

أما على مستوى الأسواق، فتتصدر تركيا قائمة المستوردين بقيمة 209 ملايين دولار، تليها البرازيل بنحو 148 مليون دولار، ثم الولايات المتحدة بـ125 مليون دولار، ولبنان بـ85 مليونًا، والسعودية بـ72 مليونًا، وإيطاليا بـ57 مليونًا. هذه الأرقام تظهر أن السوق الأميركية ليست الأكبر لكنها سوق استراتيجية يمكن البناء عليها، وأن ضربها يعني خسارة فرصة نمو مهمة في وقت حرج.

 

حنفي يقلل من الرقم الأميركي، قائلًا إن صادرات حديد التسليح للولايات المتحدة بلغت نحو 60 مليون دولار سنويًا فقط، وأنها “بداية واعدة وليست حجمًا يصعب تعويضه”. لكن الحقيقة أن المشكلة ليست في رقم السنة الماضية فقط، بل في إشارة خطيرة: إذا نجحت واشنطن في تثبيت تهمة الدعم، فإن الباب يُفتح أمام دول أخرى لتكرار السيناريو أو التشدد في إجراءاتها ضد المنتج المصري، ما يجعل الصناعة كلها تحت شبهة دائمة.

 

أسواق بديلة أم هروب إلى الأمام؟ من يدفع ثمن العجز السياسي والتجاري؟

 

الصناعيون يتحدثون الآن عن التوجه إلى “أسواق بديلة”، خاصة دول إعادة الإعمار في المنطقة العربية والأسواق الأفريقية. نظريًا، هذا حديث إيجابي؛ عمليًا، هو أشبه بـهروب اضطراري من ساحة معركة فقدنا فيها نقاطًا ثقيلة.

 

المشكلة أن استراتيجيات الدولة في ملف التجارة الخارجية تبدو رد فعل لا فعلًا:

 

•  لا توجد رؤية واضحة لحماية الصناعات الاستراتيجية قانونيًا عبر فرق متخصصة في قضايا الإغراق والدعم.

 

•  لا شفافية حقيقية في الإعلان عن أي برامج دعم للصناعة، ولا مواءمة بين ما يُقال داخليًا وما يُقدَّم خارجيًا كملفات رسمية للدفاع عن مصر.

 

•  ولا ضغط سياسي جاد لتطويق قرارات بحجم قرار وزارة التجارة الأميركية، بالتوازي مع التفاوض الفني والقانوني.

 

حين تقول وزارة التجارة الأميركية إن قرارها “مبدئي” وأن المفاوضات مستمرة حتى مايو 2026 لإعادة النظر في آلية فرض الرسوم، فهذا يعني أن هناك نافذة زمنية يمكن لمصر أن تستخدمها بذكاء. لكن التجربة مع ملف أوروبا وملفات أخرى تجعل التخوف مشروعًا من أن تتعامل الحكومة مع الأمر بوصفه “قدرًا تجاريًا”، لا معركة سيادية على مستقبل قطاع بالكامل.

 

في النهاية، الرسوم الأميركية ليست مجرد بند إضافي على ورقة تكلفة مصنع حديد؛ هي إنذار جديد لصناعة ثقيلة ترزح بين ضغوط داخلية خانقة وبيئة خارجية معادية، في ظل دولة تُكثر الكلام عن “دعم الإنتاج والتصدير”، لكنها تعجز حتى عن حماية ما تبقى من صادراتها من مقصلة الإغراق والدعم والدعاوى الدولية.

 

السؤال الذي يفرض نفسه: متى تدرك السلطة أن الصناعات الاستراتيجية – كالحديد – ليست مجرد أرقام في جداول تصدير، بل ركائز أمن قومي اقتصادي، وأن تركها تحت نيران الخارج وارتباك الداخل معًا ليس خيارًا، بل وصفة أكيدة لانكماش آخر ما تبقى من قدرة البلاد على كسب عملة صعبة بعرق المصنع لا بقروض الصندوق؟