في 26 يناير 2026 أعلنت وزارة البترول تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال تقدَّر بنحو 150 ألف متر مكعب من مجمع إدكو (ELNG)، على متن الناقلة METHANE BECKI ANNE لصالح شركة «شل»، والمتجهة إلى ميناء تركي.

 

بيان رسمي يحتفل بـ«نجاح» جديد في طريق تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، وبـتعزيز التعاون مع تركيا، التي صارت أحد أهم زبائن الغاز المصري خلال الأعوام الأخيرة.

 

لكن خلف هذه الصورة البرّاقة، تقف مفارقة فاضحة: دولة عادت صافيًا إلى استيراد الغاز منذ 2024، وتستورد أرقامًا قياسية من الغاز الإسرائيلي ومن الغاز المسال عالميًا، ثم تعلن بفخر تصدير شحنات غاز إلى تركيا وأوروبا، بينما يتحمّل المواطن انقطاع الكهرباء وارتفاع الفواتير ونزيف العملة الصعبة.

 

من «مركز إقليمي للطاقة» إلى زبون دائم لإسرائيل والـ LNG

 

الواقع بالأرقام يقول شيئًا مختلفًا تمامًا عن خطاب «الاكتفاء الذاتي». فبحسب بيانات مراكز متخصصة وتقارير صحفية دولية:

 

•  إنتاج الغاز المصري هبط من أكثر من 6 مليارات قدم مكعب يوميًا عام 2021 إلى نحو 3.5 مليارات فقط بحلول أبريل 2025، بفعل تراجع إنتاج حقل ظهر وتأخر الاكتشافات الجديدة.

 

•  لسد الفجوة، استوردت مصر في 2025 نحو 9.01 مليون طن من الغاز المسال (ما يعادل 129 شحنة)، 90% منها من الولايات المتحدة، في رقم قياسي غير مسبوق.

 

•  في الوقت نفسه، قفزت واردات الغاز من إسرائيل إلى نحو 981 مليون قدم مكعب يوميًا عام 2024 بزيادة 18% عن العام السابق، مع توقيع أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب لمصر حتى 2040، بقيمة تقارب 35 مليار دولار.

 

بكلمات أخرى: مصر تستورد غازًا باهظ التكلفة – جزء كبير منه من إسرائيل – ثم تستخدم مصانع الإسالة في إدكو ودمياط لتحويل هذا الغاز (المصري والإسرائيلي معًا) إلى LNG وإعادة تصديره عندما تسمح الظروف، بينما يبقى السوق المحلي خاضعًا لنقص المعروض وارتفاع الأسعار.

 

تحليل نشره موقع «منصة المنصّة» تحت عنوان لافت: «لماذا تُصدِّر مصر غازًا لا تملكه؟» يشرح أن الدولة باتت تعتمد على واردات تقترب من 2 مليار قدم مكعب يوميًا لتلبية احتياجاتها، في حين قفزت فاتورة استيراد البترول والغاز إلى نحو 19.5 مليار دولار في عام 2024/2025، مع توسع استيراد الغاز المسال لسد العجز وتجنّب انفجار الغضب الشعبي بسبب انقطاع الكهرباء.

 

نشتري الغالي ونبيع الرخيص: من يدفع ثمن «اللعبة»؟

 

المشهد يبدو – اقتصاديًا وسياسيًا – أقرب إلى هندسة معكوسة:

 

•  الدولة تتعاقد على غاز إسرائيلي طويل الأجل بأسعار أعلى من التعاقدات السابقة بنحو 14–15%، بحسب تقارير صحفية، ما يعني التزامًا بعشرات المليارات من الدولارات خلال 15 عامًا، في ظل أزمة عملة خانقة.

 

•  في الوقت نفسه، تفاوض الحكومة على استيراد 40–60 شحنة غاز مسال إضافية بتكلفة قد تصل إلى 3 مليارات دولار خلال موجات الحر، لتغطية عجز الإنتاج المحلي وانخفاض الإمدادات الإسرائيلية أثناء التوترات.

 

•  حين تستقر الإمدادات نسبيًا، تُدار مصانع إدكو ودمياط بكامل طاقتها تقريبًا، فتُشحَن شحنات ضخمة إلى تركيا وأوروبا، بينما لا يلمس المواطن إلا استمرار الضغوط على الدعم وارتفاع الأسعار وفواتير الكهرباء.

 

خبير الطاقة جيم كراين، في دراسة موسّعة للمركز العربي في واشنطن، يصف مصر بأنها «محور إجباري» لغاز شرق المتوسط: هي الوحيدة التي تمتلك بنية إسالة قادرة على تصدير الغاز إلى أوروبا وتركيا، ولذلك تعتمد إسرائيل نفسها على المصانع المصرية لإخراج غازها إلى الأسواق العالمية. لكن كراين يلفت إلى مفارقة جوهرية: مصر في 2024 كانت تنتج 4.6 مليارات قدم مكعب يوميًا لكنها تستهلك 5.8 مليارات، أي أنها صارت مستورِدًا صافيًا، ومع ذلك تواصل لعب دور المصدّر عبر إعادة تدوير الغاز المستورد.

 

هذه المعادلة تعني ببساطة أن المواطن المصري يدفع ثمن أن تكون بلاده «لوجستيك» لغاز إسرائيل وشرق المتوسط:

 

•  يدفعه في صورة دعم غير شفاف يتحمل عبئه الاقتصاد العام.

 

•  ويدفعه في صورة دين خارجي متزايد لتمويل واردات الطاقة.

 

•  ويدفعه في صورة انقطاع للكهرباء وتخفيض للأحمال وإغلاق مؤقت للمصانع عند أول اهتزاز في الإمدادات الإسرائيلية أو قفزة في أسعار الغاز المسال.

 

غاز لتركيا.. و«عجز» في البيوت المصرية

 

أما الخطاب الرسمي، فيواصل الاحتفاء بكل شحنة تغادر إدكو أو دمياط إلى تركيا على أنها دليل قوة و«نجاح استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة»، متجاهلًا أن هذا «النجاح» يقوم على أساس هش: اعتماد متزايد على الغاز الإسرائيلي، واستيراد مكلف للغاز المسال، وتراجع استثمار حقيقي في الاكتشافات المحلية وكفاءة الاستهلاك.

 

تصدير الغاز إلى تركيا – في ذاته – ليس مشكلة؛ فالتجارة بين الدول أمر طبيعي.

 

المشكلة أن نصدّر ونحن في حالة عجز، ونستورد من كيان يحتل أرضًا عربية ويشن حربًا مفتوحة على غزة، ثم نقدّم ذلك للشعب كقصة نجاح وطنية وإنجاز اقتصادي.

 

التقرير الأصدق لا يُكتب في بيانات وزارة البترول، بل في:

 

•  فواتير كهرباء لا تتوقف عن الارتفاع.

 

•  مصانع تُعطِّل إنتاجها مع أول خفض في الواردات.

 

•  ومدن كاملة عاشت صيفًا قاسيًا من انقطاع التيار، بينما شحنات الغاز تغادر إلى موانئ أوروبا وتركيا.

 

في النهاية، السؤال ليس: هل نجحت مصر في تصدير شحنة جديدة من الغاز إلى تركيا؟

 

السؤال الحقيقي: كم كلّفت هذه الشحنة بيت المواطن المصري من دعم ودين، وكم مترًا مكعبًا من هذا الغاز كان يأتي أصلًا من إسرائيل؟