في الذكرى الخامسة عشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير، تعود قضية الناشطة السياسية نرمين حسين فتحي عبد العزيز إلى الواجهة بوصفها نموذجًا مكثفًا لمسارٍ طويل من الاستهداف، وحكاية جيلٍ كاملٍ وجد نفسه عالقًا بين قرارات إخلاء سبيل لا تُنفّذ، وحبسٍ احتياطي تحوّل إلى عقوبة مفتوحة بلا سقف زمني.

 

خمس سنوات كاملة مرّت على إعادة اعتقال نرمين، منذ 26 يناير 2021، في واقعة كشفت بجلاء آليات “التدوير” التي باتت سياسة راسخة، تُفرغ قرارات الإفراج من مضمونها، وتُبقي السجناء السياسيين داخل الزنازين رغم انتفاء مبررات الحبس.

 

من أمل الإفراج إلى صدمة “التدوير”

 

في 17 يناير 2021، صدر قرارٌ بإخلاء سبيل نرمين حسين على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا. كان القرار بمثابة نافذة أمل بعد شهور من الاحتجاز. غير أن هذا الأمل لم يدم طويلًا؛ فبعد ثمانية أيام فقط، وبينما كانت تنتظر تنفيذ القرار، فوجئت باستدعائها للتحقيق من داخل محبسها، ليُعاد توجيه نفس الاتهامات وبالصياغات ذاتها تقريبًا، في القضية رقم 65 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا.

 

تلك اللحظة مثّلت انتقالًا قاسيًا من انتظار الحرية إلى صدمة جديدة، وبدء فصلٍ آخر من فصول الحبس الاحتياطي الممتد، في مشهد بات مألوفًا لدى متابعين وحقوقيين يرون فيه التفافًا ممنهجًا على القانون.

 

“التدوير”.. حين يصبح الحبس قاعدة لا استثناء

 

القضية لا تتعلق بحالة فردية معزولة، بل بسياسة وُصفت حقوقيًا بـ“تدوير القضايا”، حيث يُعاد إدراج المتهم في قضية جديدة قبل تنفيذ قرار الإفراج عنه، لتستمر دوّامة الحبس الاحتياطي دون محاكمة أو سقف زمني واضح.

 

هذه السياسة، وفق مراقبين، تُحوّل الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي إلى عقوبة فعلية، وتُفرغ ضمانات العدالة من محتواها، وتُقوّض الثقة في قرارات القضاء حين تُصبح “حبرًا على ورق”.

 

نرمين حسين.. مسيرة نضال واستهداف متكرر

 

نرمين حسين ليست اسمًا طارئًا في المجال العام. فهي ناشطة سياسية شاركت في ثورة يناير وما تلاها من حراك، ومنذ ذلك الحين تعرّضت لسلسلة من الملاحقات والاعتقالات:

 

فبراير 2013: اعتُقلت على خلفية أحداث قصر الاتحادية، قبل أن يأمر قاضي التحقيق بإخلاء سبيلها مع 19 متهمًا آخرين.

 

10 أبريل 2016: أُعيد اعتقالها مع فتاتين أخريين، ثم أُخلي سبيلهن لاحقًا.

 

23 أغسطس 2018: داهمت قوات الأمن منزلها واعتقلتها ضمن حملة واسعة شملت شخصيات عامة، واستمر حبسها حتى 22 مايو 2019.

 

يناير 2021: إعادة اعتقالها عبر “التدوير”، لتدخل عامها الخامس من الحبس الاحتياطي المتواصل.

 

في كل مرة، كانت الحرية مؤقتة، والعودة إلى الزنازين أقرب مما يبدو.

 

معاناة إنسانية خلف القضبان

 

بعيدًا عن الأرقام والملفات، تقبع قصة إنسانية قاسية خلف أسوار سجن العاشر من رمضان، حيث تُحتجز نرمين.

 

تُدين الشبكة المصرية لحقوق الإنسان استمرار حبسها للعام الخامس على التوالي، مشيرة إلى تدهور حالتها الصحية والنفسية، وتفاقم معاناتها بعد وفاة والدتها، دون أن تُمنح حقها الطبيعي في الحداد أو تلقي الدعم الإنساني.

 

وتحذّر من أن استمرار الاحتجاز في ظل هذه الظروف يُشكّل انتهاكًا مضاعفًا، لا يقتصر على الحرمان من الحرية، بل يمتد إلى المساس بالكرامة الإنسانية والحق في الرعاية الصحية.

 

يناير حاضرٌ في الزنازين

 

تأتي قضية نرمين حسين في سياق أوسع من حملة استهدفت رموز وشباب ثورة يناير، في محاولة لإخماد أي صوت يُذكّر بمطالب الثورة في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

 

وبينما تمر الذكرى الخامسة عشرة للثورة، لا تزال آثارها حاضرة في السجون، حيث يقبع كثيرون بسبب مواقفهم السياسية أو نشاطهم السلمي.

 

مطالبات بالإفراج واحترام القانون

 

تجدد منظمات حقوقية، وفي مقدمتها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، مطالبها بـالإفراج الفوري عن نرمين حسين، وعن جميع المحتجزين على خلفية قضايا سياسية، التزامًا بنصوص الدستور المصري، واحترامًا لتعهدات مصر الدولية التي تكفل الحق في الحرية والأمان الشخصي، وتحظر الحبس التعسفي.

 

وتؤكد هذه المنظمات أن استمرار الحبس الاحتياطي بلا محاكمة يُعد انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية، ودليلًا على الحاجة الملحّة إلى إصلاح جذري وحقيقي في ملف الحريات وحقوق الإنسان.