يعتبر تسجيل الدين الخارجي لمصر من مستوى يقترب من 163.7 مليار دولار في سبتمبر 2025 – وهو أعلى مستوى في سبعة فصول متتالية – ليس مجرد رقم في تقرير البنك المركزي، بل جرس إنذار صريح بأن الدولة تسير بسرعة عالية في طريق مسدود. الدين كان 161.2 مليار دولار في يونيو 2025 بعد أن كان 156.7 مليارًا في مارس، وفق بيانات البنك المركزي وتقارير متطابقة.

 

ورغم محاولات الحكومة الترويج لانخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، فإن الصورة الحقيقية أكثر قسوة؛ نسبة الدين الخارجي إلى الناتج وصلت إلى نحو 44–45% خلال 2024–2025، بحسب تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي، في حين قفز إجمالي الدين الخارجي إلى 168 مليار دولار في 2023، بعد أن كان أقل من ثلث هذا الرقم قبل عقد واحد فقط.

 

الخبير الاقتصادي محمد فؤاد يلفت إلى أن التركيز الرسمي على “النسبة إلى الناتج” يخفي الحقيقة الأخطر: القيمة المطلقة للدين تتصاعد بلا توقف، ليقترب إجمالي الدين العام – داخليًا وخارجيًا – من نحو 380 مليار دولار، ما يعني تضييقًا مستمرًا لهامش المناورة المالية، وأن أي “تحسن” يُعلن هو غالبًا تجميلي لا يمس أصل المرض: الإدمان على الاقتراض بدلًا من خلق موارد حقيقية.

 

دين يتضخم… وموارد تتآكل

 

الارتفاع المتواصل من 156.7 مليار دولار في نهاية مارس 2025، إلى 161.2 مليارًا في يونيو، ثم 163.7 مليارًا في سبتمبر، يكشف مسارًا ثابتًا لا مجال فيه للصدفة، بل لسياسة مُصِرّة على سد كل فجوة بديون جديدة.

 

يشير محمد فؤاد إلى أن هذا النهج يعني شيئًا واحدًا: الدولة لا تستغل فترات “النمو النسبي” لتقليص جبل الديون، بل لتوسيعه.

ورغم أن بعض المؤشرات الرسمية تتحدث عن انخفاضٍ نسبي في دين الموازنة العامة كنسبة من الناتج، فإن ذلك يتم غالبًا عبر إعادة هيكلة وتدوير الديون، وتمديد آجال السداد، ورفع الضرائب والرسوم، وليس عبر زيادة حقيقية في إنتاج السلع والخدمات المولِّدة للعملة الصعبة.

 

صندوق النقد الدولي نفسه حذّر في أحدث تقديراته من أن الدين الخارجي لمصر مرشح لتجاوز 200 مليار دولار قبل نهاية العقد إذا استمرت وتيرة الاقتراض الحالية، مقدرًا ارتفاعه من نحو 162–163 مليار دولار في 2024/2025 إلى أكثر من 200 مليار بحلول 2029/2030، مع تصنيف “مخاطر الدين السيادي” على أنها مرتفعة.

 

بمعنى آخر: ليس فقط أن مصر تقترض أكثر، بل تفعل ذلك في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض عالميًا، وتتراجع فيه الصادرات، وتتآكل فيه موارد حيوية مثل إيرادات قناة السويس والسياحة تحت ضغط الأزمات الإقليمية، ما يجعل كل دولار اقتراض جديد أغلى ثمنًا وأخطر أثرًا.

 

حلقة مميتة من الديون… وبلد يُدار كخزينة جباية

 

الخبيرة د. سالي صلاح تصف الوضع الحالي بأنه دخول رسمي في “الحلقة المميتة من الديون”؛ تستند في ذلك إلى بيانات تُظهر قفزة في الدين الخارجي من نحو 155.9 مليار دولار في ديسمبر 2024 إلى 168.4 مليار دولار في ديسمبر 2025، أي زيادة تتجاوز 13 مليار دولار في عام واحد فقط، بالتوازي مع تضخم فاتورة خدمة الدين حتى وصلت – بحسب تقديراتها – إلى ما يعادل 142% من الإيرادات العامة؛ أي أن الدولة لا تكفيها مواردها حتى لسداد أقساط وفوائد ما عليها من قروض.

 

في هذا السياق ترى سالي صلاح أن المشكلة لم تعد “دينًا أو تضخمًا” فقط، بل سوء إدارة وغياب تفكير استراتيجي: وزارات تعمل في جزر منعزلة، وقرارات مالية تُتخذ بمعزل عن رؤية طويلة المدى، وسرديات متكررة عن “النمو والانفتاح والاستثمار” بينما الواقع على الأرض هو ضغط ضريبي وجمركي على المواطن والقطاع الصغير والمتوسط، وبيع متسارع للأصول لسد فجوات آنية.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق يضيف زاوية تقنية لا تقل خطورة؛ فجزء من الزيادة في أرقام الدين الخارجي يرتبط بإعادة تقييم الديون المقومة بعملات أخرى – مثل اليورو والين – إلى الدولار؛ أي أن مجرد تغير سعر الصرف يجعل مصر مديونة بعدد أكبر من الدولارات حتى دون اقتراض جديد. لكن توفيق لا يرى في ذلك “تبريرًا”، بل دليلًا على هشاشة الهيكل: الاعتماد المفرط على ديون بعملات متعددة في ظل سعر صرف غير مستقر.

 

وفي تحليلات أخرى، يؤكد توفيق أنه لا توجد حلول سحرية لأزمة الدين، وأن اللعب على حيل مثل مبادلة الديون بأصول الدولة أو بيع حصص سيادية لسداد أقساط مستحقة لا يعالج أصل الكارثة، بل يحولها إلى فقدانٍ تدريجي للسيادة الاقتصادية مع استمرار نفس سياسات الاقتراض وضعف الإنتاج الحقيقي.

 

بهذا المعنى، تتقاطع رؤى سالي صلاح وهاني توفيق: مصر لا تعاني فقط من رقم دين كبير، بل من نموذج إدارة يحوّل الدولة إلى ماكينة جباية ورسوم وغرامات وبيع أصول، بينما يظل الاقتصاد المنتج – الصناعة، الزراعة، التصدير – في آخر الصف.

 

الأجيال القادمة تدفع الثمن… وخيارات صعبة مؤجلة

 

المخيف في المسار الحالي ليس فقط أن الدين الخارجي يقترب من 170 مليار دولار، بل أن المؤسسات الدولية نفسها تتوقع استمرار الارتفاع خلال السنوات المقبلة، مع الإقرار بأن مخاطر الاستدامة مرتفعة وأن أي صدمة خارجية جديدة – في سعر الفائدة أو الطاقة أو الإقليم – قد تدفع الاقتصاد إلى حافة أزمة أعمق.

 

الاقتصادية د. عالية المهدي – التي حذرت منذ سنوات من تضخم الدين العام واعتبرته “مقلقًا وإن لم يكن كارثيًا بعد” – كانت تؤكد في تحليلاتها أن جوهر الاستقرار المالي لا يتحقق بالألاعيب المحاسبية، بل عبر تعزيز القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وإدارة احتياطي النقد الأجنبي بحكمة بدلًا من استنزافه في دعم سعر صرف غير واقعي أو تمويل واردات استهلاكية على حساب الاستثمار.

 

اليوم، ومع تحذير صندوق النقد من مسار دين قد يتجاوز 200 مليار دولار خارجيًا خلال أقل من عقد، تصبح ملاحظات المهدي أكثر إلحاحًا: كل جنيه يُقتطع من التعليم والصحة والبنية الأساسية لسداد دين اليوم هو رصاصة في قدم جيل الغد.

 

ما بين قراءة محمد فؤاد لأرقام الدين الكلية، وتشخيص سالي صلاح لـ“الحلقة المميتة”، وتحذيرات هاني توفيق من أوهام الحلول السحرية، وتنبيه عالية المهدي لأهمية الإصلاح الهيكلي، تتشكل لوحة واضحة:

 

  • الاقتراض لم يعد “ضرورة استثنائية”، بل خيارًا سياسيًا مستمرًا.
  • الأصول تُباع لتغطية عجز اليوم، بينما تتراكم التزامات الغد.
  • الاقتصاد الحقيقي يُترك في الخلف، تحت رحمة قرارات مرتجلة وتضارب في الأولويات.

 

الخروج من هذه الدائرة لا يكون بإصدار سند جديد أو ترتيب قرض إضافي، بل بقرار شجاع: وقف توسيع الديون، تجميد المشروعات غير ذات العائد، إعادة ترتيب الإنفاق لصالح الإنتاج لا البهرجة، وفتح المجال أمام قطاع خاص حقيقي لا واجهة شكلية.

ما لم يحدث ذلك، سيظل رقم 163.7 مليار دولار مجرد محطة على طريق أطول… طريقٍ يدفع ثمنه من لم يشاركوا في اتخاذ القرار أصلًا: أجيال المصريين القادمة.