في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، التي خرج فيها المصريون هاتفين ضد التعذيب والظلم، كشف مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب تقريره السنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر لعام 2025، تحت عنوان لافت: «أرشيف القهر في 2025 – 366 يومًا من الجبروت».
التقرير وثّق 5053 انتهاكًا اعتمادًا على الرصد الإعلامي على مدار العام، من بينها 78 حالة وفاة داخل السجون وأماكن الاحتجاز، وارتفاع ملحوظ في وتيرة الاختفاء القسري والإهمال الطبي، في مفارقة قاسية مع خطاب السلطة التي تحتفي في اليوم نفسه بـ«عيد الشرطة» وتروّج لصورة وردية عن «مراكز إصلاح وتأهيل على الطراز الأميركي».
أرقام صادمة: اختفاء قسري وتكدير وعنف بلا محاسبة
يفتح تقرير مركز النديم العام 2025 بسيل من الأرقام التي تكفي وحدها لرسم صورة قاتمة عن وضع الحقوق والحريات في مصر. فقد وثّق المركز 5053 انتهاكًا متنوعًا، تصدّرها الإخفاء القسري وعمليات «التكدير» (التضييق المتعمد على المحتجزين).
بحسب التقرير، تم رصد 1444 حالة اختفاء قسري خلال فترات احتجاز متفاوتة، من بينها 581 حالة إخفاء جديدة وقعت خلال عام 2025 وحده. هذا يعني أن ماكينة الاختفاء لم تتوقف، بل واصلت عملها بوتيرة ثابتة، بحيث يصبح المواطن معرضًا لأن يُختطف من الفضاء العام أو من بيته، ثم يختفي أسابيع أو شهورًا خارج أي إطار قضائي، قبل أن يظهر – إن ظهر – أمام نيابة متخصصة باتهامات جاهزة.
إلى جانب ذلك، سجّل التقرير 820 حالة تكدير، و515 حالة عنف ضد المحتجزين، و274 حالة إهمال طبي، إضافة إلى 188 انتهاكًا جماعيًا في السجون وأقسام الشرطة ومقار الاحتجاز. وفيما يخص التعذيب الفردي المباشر، رصد المركز 84 حالة تعذيب مثبتة، فضلًا عن 66 حالة قتل خارج إطار القانون، ما يعكس – وفق وصف التقرير – «استقرارًا مرتفعًا في وتيرة العنف الأمني دون أي مؤشر جدي على المحاسبة أو الإصلاح».
هذه الأرقام، وإن كانت تعتمد أساسًا على ما أمكن رصده عبر الإعلام ومصادر مفتوحة، تعكس جانبًا واحدًا فقط من المشهد؛ إذ يبقى ما لا يُنشر وما يُطمس عمدًا أكبر بكثير، ما يعني أن الواقع قد يكون أشد قتامة مما تسمح به الأرقام الموثقة.
وفيات السجون و«مراكز الإصلاح»: الواقع يفضح دعاية «الطراز الأميركي»
أحد أخطر أجزاء التقرير تمثّل في ملف وفيات المحتجزين داخل السجون وأماكن الاحتجاز المختلفة. فقد وثّق مركز النديم 78 حالة وفاة خلال عام 2025، مقارنة بـ57 حالة في العام السابق، أي بزيادة ملحوظة تدق ناقوس الخطر حول ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية في أماكن يُفترض أن الدولة مسؤولة فيها بالكامل عن حياة البشر وسلامتهم.
توزعت هذه الوفيات بين 44 حالة داخل السجون (من بينها حالة وقعت داخل سيارة ترحيلات)، و31 حالة في أقسام الشرطة، و3 حالات وفاة خلال فترات الإخفاء داخل مقارّ جهاز أمن الدولة. التقرير يشير بوضوح إلى أن جزءًا معتبرًا من هذه الوفيات مرتبط إما بـالتعذيب المباشر، أو بـالإهمال الطبي المتعمد، وهي جرائم يؤكد المركز أنها «لا تسقط بالتقادم» وفقًا للدستور والقانون المصريين.
في المقابل، يسلّط التقرير الضوء على خطاب وزارة الداخلية، التي دأبت على تبرير وقائع القتل خارج القانون بتوصيف الضحايا – ومن بينهم أحيانًا أطفال – باعتبارهم «تجار مخدرات» أو «مسجلين خطر»، في محاولة لتحويل الجناة إلى أصحاب «إنجاز أمني»، والضحايا إلى «مجرمين» لا يستحقون التعاطف، أو حتى حقهم الدستوري في الحياة والمحاكمة العادلة.
هذا الواقع الصلب يصطدم بعنف مع الدعاية الرسمية لما تسمّى «مراكز الإصلاح والتأهيل» الجديدة، التي تُروّج لها السلطة باعتبارها تحولًا تاريخيًا في فلسفة العقاب، وبناءً على «الطراز الأميركي». مركز النديم يرى أن هذه الصورة الملمعة لا تغيّر شيئًا من الحقيقة الجوهرية: غياب آليات فعالة للإنصاف والمحاسبة، واستمرار الانتهاكات بأشكال مختلفة، يعني أن تغيير الأسماء والواجهات لا يتجاوز حدود العلاقات العامة، بينما تبقى الزنازين، قديمة كانت أو حديثة، ساحات مفتوحة للتعذيب والقهر والإهمال.
«أرشيف القهر» بين يناير وفلسطين: قمع داخلي وازدواجية دولية
اختار مركز النديم عنوانًا دالًا لتقريره: «أرشيف القهر في 2025 – 366 يومًا من الجبروت»، في إشارة إلى أن كل يوم تقريبًا من أيام العام حمل نصيبه من الانتهاكات الموثقة. التقرير يربط مباشرة بين هذا الواقع وبين المسار السياسي الذي اتخذته الدولة بعد ما يسميه «هزيمة الجولة الأولى من ثورة يناير»، موضحًا أن هذه الهزيمة لم تنهِ أسباب الثورة، بل دفعت النظام إلى إعادة إنتاج القبضة الأمنية وتوسيع سياسات القمع، أملاً في دفن روح يناير تحت طبقات متراكمة من الخوف والتخويف.
في المقابل، يؤكد التقرير أن «القهر مهما طال لا يدوم، وأن الصمت المفروض ليس أبديًا»، في رسالة واضحة مفادها أن تراكم المظالم يصنع في النهاية شروط انفجار جديد، وأن دور التوثيق الحقوقي هو حماية الذاكرة ومنع تحويل الضحايا إلى أرقام منسية.
ولا يقف التقرير عند الحدود المصرية؛ بل يضع هذا «الأرشيف المحلي للقمع» في سياق دولي وإقليمي مضطرب، ينتصر فيه منطق القوة على القانون. ينتقد مركز النديم بحدة عجز المجتمع الدولي عن وقف جرائم الحرب في فلسطين والمنطقة، وازدواجية المعايير الغربية، خاصة مع تجاهل قرارات المحكمة الجنائية الدولية عندما لا تخدم مصالح القوى الكبرى، في الوقت الذي تُستخدم فيه شعارات حقوق الإنسان أداة ضغط انتقائية على دول بعينها.
بهذا الربط، يوضح التقرير أن معركة الحقوق في مصر ليست معزولة عن محيطها؛ فالنظام الذي يستفيد من صمت دولي على انتهاكاته في الداخل، هو نفسه جزء من نظام إقليمي ودولي أوسع يتسامح مع القتل الجماعي والحصار والتجويع في فلسطين وغيرها. وفي الحالتين، يبقى الضحايا – من المصريين والفلسطينيين وغيرهم – محصورين بين قبضة أنظمة قمعية وعالم يدّعي الدفاع عن الحقوق بينما يغضّ الطرف عندما لا تناسبه الحقيقة.
في المحصلة، يقدم تقرير مركز النديم لعام 2025 صورة موجعة لكنها ضرورية: مصر تعيش عامًا آخر من الأرشفة اليومية للقهر، في انتظار لحظة تُترجم فيها هذه الملفات إلى مساءلة حقيقية، داخلية أو دولية، تعيد الاعتبار لآلاف الضحايا، وتثبت أن الجبروت، مهما طال، ليس قدرًا أبديًا.

