في خطابه الأخير بعيد الشرطة، قال قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وهو يقسم: «أنا معملتش أي إجراء يستهدف دماء حد.. هما اللي بدأوا»، محاولًا نفي أي مسؤولية مباشرة عن الدماء التي سالت منذ انقلاب 2013.

لكنّ هذا النفي لا يأتي في فراغ؛ بل في مواجهة كمٍّ ضخم من المقاطع المصوّرة، والتقارير الحقوقية، وشهادات الضحايا وذويهم، التي ترسم صورة مختلفة تمامًا: نظامًا استخدم الرصاص، والحصار، والسجون، والتعذيب، والقتل البطيء كأدوات ثابتة لإخضاع المجتمع وكسر المعارضة.

 

في هذا التقرير، لا نقدّم “خطابًا مضادًا” فقط، بل نضع تصريح السيسي في مواجهة ما توثّقه الكاميرات والبرامج الوثائقية والتغريدات الموثّقة، لنرصد التناقض الصارخ بين ما يقوله اليوم وما جرى على الأرض فعلًا.

 

نفي مسؤولية الدم… في مواجهة تسجيلاته واعترافات خصومه

 

النقطة الأولى في رواية السيسي تأتي من فمه مباشرة، في مقطع متداول من كلمته الأخيرة:


 

يقول بوضوح: «أنا معملتش أي إجراء يستهدف دماء حد.. هما اللي بدأوا»، مقدِّمًا نفسه كطرفٍ “مدافع” لم يطلق رصاصة ولم يتخذ قرارًا أفضى إلى قتل مصري واحد. لكن في مقطع آخر، يحاول السيسي تبرئة نفسه بالكامل، مدّعيًا أن “يده لم تتلوث بالدم ولا بالمال”، في خطاب يبدو أقرب إلى مرافعة دفاع سياسي مسبقة أمام محكمة التاريخ أو محاكم محتملة في المستقبل:


 

في مواجهة هذا النفي المطلق، يظهر جانب آخر من الصورة في شهادات معارضين وناشطين كانوا يتابعون مسار الرجل وخطابه منذ 2013. الكاتب نظام المهداوي يلفت إلى الإفراط في توظيف الدين والقَسَم، معتبرًا أن هذا التضخيم في القسم بالله قرينٌ بالكذب ومحاولة تغطية مسؤولية سياسية عن الدماء:

 

 

أما التغريدة المنسوبة لـ“جورج” فتذكّر بلقطة أخرى شهيرة للسيسي حين كان يتحدث عن كيفية “تدمير مصر” بالمال والترمادول، وهي اللحظة التي قرأها كثيرون باعتبارها اعترافًا غير مباشر بأسلوب إدارة الفوضى وتمويل من يشيعونها في الشارع لخدمة مشروع عسكرة الحكم:

 

 

بهذا المعنى، يصبح تصريح “أنا ما عملتش” معزولًا عن سياق أوسع من الممارسات والسياسات، ومتناقضًا مع صورة قائد سياسي كان في قلب غرفة القرار الأمني طوال أكثر السنوات دموية في تاريخ مصر المعاصر.

 

من حصار غزة إلى زنازين التعذيب: سجلّ قمعٍ موثّق بالصوت والصورة

 

نفي التورط في الدم لا يقتصر على الداخل المصري ضمن خطاب السيسي؛ بل يمتد إلى القضية الفلسطينية، حيث يتهمه خصومه بلعب دور مركزي في تشديد الحصار على غزة، خصوصًا في ذروة المجازر الأخيرة.

هذا الربط بين الخطاب الديني والتغطية على السياسات القمعية يتجلى بوضوح في تحليل نظام المهداوي، الذي يشير إلى استحضار السيسي اسم الله في كل جملة، بينما الواقع على الأرض يقول إن الدم يسيل في غزة وتُشدّد القيود على المعبر والقطاع.

 

وعلى مستوى الداخل، لا يتوقف الحديث عند الرصاص في الميادين، بل يمتد إلى ما يجري خلف الجدران العالية للسجون. تقارير وبرامج وثائقية عدّة تناولت تشابه أدوات القمع بين نظام السيسي ونظام بشار الأسد، من الإخفاء القسري إلى التعذيب الممنهج داخل المعتقلات:


 

وفي سياق توثيق الانتهاكات، برزت شهادات مباشرة لمعتقلين سابقين تحدّثوا عن تعذيبهم في سجون السيسي، وعن أنماط ممنهجة من الإهانة الجسدية والنفسية، لا يمكن اختزالها في “تجاوزات فردية” كما تحاول الرواية الرسمية أن توحي:


 

إلى جانب ذلك، قدّمت قنوات دولية تحقيقات استقصائية تحت عنوان واضح: “القتل البطيء.. وسيلة السيسي للتخلص من معارضيه في السجون”، وثّقت فيها حالات وفاة متكررة داخل أماكن الاحتجاز نتيجة الإهمال الطبي المتعمّد والحرمان من العلاج وظروف الحبس اللاإنسانية، باعتبارها أداة سياسية لإخراس المعارضين بدلًا من إطلاق الرصاص عليهم في الشارع.

 


 

إذا جمعنا هذه الحلقات معًا – تشديد الحصار على غزة، سياسات “القتل البطيء” في السجون، التعذيب الموثّق بشهادات مصوّرة – يصبح الحديث عن “عدم التورط في الدماء” أقرب إلى إنكارٍ شامل لواقع متراكم من الانتهاكات لا يمكن محوه بخطاب واحد أو قسمٍ متكرر.

 

رابعة والعدالة الغائبة: ميدان واحد يلخّص التناقض كله

 

تبقى مجزرة رابعة العدوية هي اللحظة الفاصلة التي يستحيل معها تصديق أي حديث عن “عدم استهداف الدماء”. فالميدان الذي امتلأ لعشرات الأيام باعتصام مدني معلن، تحوّل في ساعات قليلة إلى واحدة من أكثر عمليات قتل المتظاهرين توثيقًا في التاريخ، حيث نقلت الكاميرات مشاهد إطلاق النار الكثيف، والجثث المتكدسة، والدخان والنيران في خيام المعتصمين:


 

في خضم هذه الأحداث، أطلق الشيخ سلمان العودة تحذيرًا مؤلمًا للمبتهجين بدماء رابعة، مؤكدًا أن هذه الدماء ستفتح غمّة على الأمة لا تُغلق بسهولة، في قراءة مبكرة لما تعنيه المجزرة من كسرٍ للمحرم السياسي والأخلاقي في التعامل مع الخصوم داخل أوطانهم:


 

بعد ذلك بسنوات، توالت البرامج الوثائقية والتحقيقات التي تحمل عناوين صريحة: “الدم لا يجف والعدالة غائبة.. هل تتحقق المحاسبة يومًا؟”، محاولةً الإجابة عن سؤال المساءلة السياسية والقانونية في بلد لم يشهد حتى اليوم محاكمة مسؤول واحد عن تلك المجزرة، رغم توثيق أعداد كبيرة من القتلى والمصابين والشهادات الحيّة لذويهم والناجين منهم.


 

في المقابل، يستمر الخطاب الرسمي في نفي أي استهداف متعمد للدم، وإلقاء اللوم كاملًا على الضحايا أو على “الطرف الآخر” الذي “بدأ”. لكن أمام المرئي والمسموع والمكتوب، يصبح تصريح السيسي مجرد رواية من روايات السلطة في مواجهة أرشيف ضخم من الوقائع التي لا تتقادم، مهما طال الزمن.

 

الخلاصة: أنه منذ انقلاب 2013 وحتى اليوم، يتكرر في خطاب عبد الفتاح السيسي نمط ثابت: نفي تام للمسؤولية عن الدم، إفراط في القسم بالله، وتأكيد دائم على أن “الآخر هو الذي بدأ”. في المقابل، تقدّم الفيديوهات والبرامج الوثائقية وشهادات المعتقلين والتغريدات الموثّقة صورة مغايرة: قرارات سياسية وأمنية أفضت إلى مجازر في الشوارع، وعمليات قتل بطيء في السجون، وحصارٍ خانق على غزة، من الصعب جدًا أن تُفهم خارج إطار المسؤولية المباشرة للنظام القائم.

 

بهذه الوثائق، لا يعود تصريح «أنا ما عملتش أي إجراء يستهدف دماء حد» مجرّد جملة عابرة، بل يصبح شاهدًا إضافيًا على اتساع المسافة بين ما يقال من فوق المنابر، وما جرى فعلًا في الميادين والزنازين وعلى حدود غزة… مسافة لا يمكن للجمل المنمّقة ولا الأقسام المتكررة أن تردمها.