بينما تدخل ثورة 25 يناير عامها الخامس عشر، يخرج قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مرة بعد مرة ليُحمِّل الثورة مسؤولية الخراب والانهيار، كأن هذا الجنرال الذي يحكم منفردًا منذ أكثر من عشر سنوات كان مجرد متفرج بريء على ما جرى.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل أفسدت الثورة مصر؟ بل: من الذي خان الثورة، ودهس أحلامها، وحوّل البلاد إلى معسكر كبير تُدار فيه حياة ملايين البشر بعقلية ضابط ثكنة لا رئيس دولة؟
بعد 15 عامًا، يقف المصريون أمام مشهد خانق: اقتصاد منهَك، ديون تكبِّل الأجيال القادمة، جهاز أمني متغوِّل، سجون ممتلئة بالمعارضين، وإعلام لا يعرف سوى تمجيد الجنرال وترويج الخوف من أي تغيير. ومع ذلك، تظلّ ذكرى يناير شوكة في حلق السلطة، لأنّها الدليل الحيّ على أن هذا الشعب قادر على أن يقول “لا” حتى لو طال ليل القمع.
ثورة لم تفشل.. بل سُرقت تحت أقدام الجنرالات
ثورة 25 يناير لم تكن “نزوة شباب” ولا “مؤامرة خارجية”، بل كانت انفجارًا طبيعيًا في وجه ثلاثة عقود من الفساد والاستبداد في عهد حسني مبارك. خرج ملايين المصريين يهتفون: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، ونجحوا في إسقاط رأس النظام، وفتحوا بابًا – لأول مرة منذ عقود – أمام انتقال مدني للسلطة وصندوق انتخاب حقيقي.
لكن من أول يوم بعد تنحي مبارك، كان المجلس العسكري يضع يده على مقود الثورة.
تولّى الحكم، وأدار المرحلة الانتقالية بعقلية إدارة الأزمة لا بناء نظام جديد، وفتح المجال لانتخابات ثم انقلب على نتائجها عندما لم تعجبه، فكان 3 يوليو 2013 هو لحظة سرقة الثورة علنًا ووضعها في ثلاجة الجنرالات.
رابعة والنهضة وغيرها من المجازر لم تكن فقط مذابح ضد مؤيدين لرئيس منتخب، بل كانت رسالة بالدم لكل المصريين:
“أي حلم بتغيير حقيقي سيُدفن تحت جنازير المدرعات.”
من هنا، لم تُهزم يناير شعبيًا ولا أخلاقيًا، بل أُجهِضت بانقلاب عسكري مكتمل الأركان، أعاد إنتاج نظام مبارك مع جرعة أعلى من الوقاحة والدم، وبقيادة جنرال أقل كفاءة وأكثر تعطشًا للسلطة.
جمهورية الخوف والديون: ما الذي قدّمه السيسي غير الخراب؟
السيسي الذي يتهم الثورة بأنها “خربت البلد”، يحكم منفردًا منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا:
• لا برلمان حقيقي.
• لا معارضة منظمة.
• لا إعلام مستقل.
• لا قضاء مستقل.
كل شيء تحت السيطرة الكاملة للمخابرات والأجهزة الأمنية، ومع ذلك يصرّ على إلقاء اللوم على ثورة انتهت زمنياً، بدل أن يواجه الحقيقة: من يحكم مسؤول عن النتيجة.
في عهده:
• انفجر الدين الخارجي إلى مستويات تاريخية تكبّل الأجيال القادمة.
• تراجعت قيمة الجنيه، وابتلع التضخم دخول الفقراء والطبقة الوسطى.
• بيعَت أصول الدولة وموانئها وأراضيها تحت لافتة “إنقاذ الاقتصاد”.
• تمدد الجيش في الاقتصاد حتى صار ينافس على كل شيء: من الإسمنت والطُرق إلى الألبان والأدوية والغذاء.
وفي المقابل، امتلأت السجون بعشرات الآلاف من السياسيين والصحفيين والطلاب، لمجرد أنهم تجرؤوا على الاعتراض أو حتى على التغريد.
منظمات حقوقية دولية وصحفية وصفت نظام السيسي بأنه أشد قمعًا من نظام مبارك نفسه؛ فالاعتقال لم يعد استثناءً، بل صار أداة يومية لإدارة المجتمع، والاختفاء القسري والتعذيب والإهمال الطبي صار جزءًا من “السياسة العامة”.
هذا ليس “استقرارًا” كما يروّج، بل استبداد مسلّح بالخوف والجوع والدَّين. نظام يعرف أن بقاءه مرهون بإبقاء الناس مشغولين بالنجاة اليومية، لا بالتفكير في التغيير.
الأمل لا يموت.. لكنه ينتظر شعبًا يقرّر أن يتوقف عن الخوف
السؤال: هل ما زال الأمل موجودًا في 2026؟
الإجابة الصادقة: الأمل لا يموت، لكن يمكن خنقه مؤقتًا.
نعم، المجتمع مُرهق، والقمع بلغ مستوى يجعل مجرد منشور على “إكس” أو “فيسبوك” سببًا للاعتقال، والناس تخاف على لقمة العيش وعلى أبنائها. لكن هذا هو حال كل الشعوب قبل الانفجار الكبير.
من قبل، جرى التسويق لأسطورة أن المصريين “شعب لا يثور”، حتى جاء 25 يناير وأبطَل هذا الكلام إلى الأبد.
اليوم، هناك جيل جديد – جيل لم يشارك في الثورة، لكنه تربّى في ظل الخراب الذي تلاها – يرى بعينيه:
• فسادًا عاريًا.
• ظلمًا فجًّا.
• وواقعًا اقتصاديًا خانقًا لا يترك له مستقبلًا حقيقيًا.
هذا الجيل قد يبدو صامتًا، لكنه ليس غبيًّا ولا راضيًا؛ هو فقط يعيش في زمن السجن المفتوح، ينتظر اللحظة التي يتصدع فيها جدار الخوف.
السيسي يمكنه أن يملأ الشاشات بالمديح، وأن يكتب في الدستور ما يشاء، وأن يطارد كل معترض، لكن لا هو ولا غيره يستطيع أن يغيّر حقيقة بسيطة:
أن شعبًا أسقط مبارك، وواجه الرصاص بصدور عارية، قادر – إذا أراد وإذا توحّد – أن يُسقط أي طاغية مهما بدا قويًّا.
الأمل ليس قصيدة ولا شعارًا، بل قرار جمعي في لحظة تاريخية: أن هذا القدر من الذل لم يعد مقبولًا، وأن ثمن السكوت صار أعلى من ثمن المقاومة.
وحين تصل كتلة كافية من المصريين إلى هذه القناعة، لن تنفع القصور ولا العواصم الإدارية ولا ماكينة الدعاية.
في ذكرى الثورة الخامسة عشرة، يمكن القول بوضوح:
• نعم، الثورة سُرقت.
• نعم، السيسي قاد انقلابًا أعاد مصر عقودًا إلى الخلف.
• نعم، الواقع اليوم أسوأ من عهد مبارك سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
لكن الحقيقة الأعمق أن يناير لم تمت؛ هي الآن معلَّقة في عنق هذا النظام كحبل مؤجل التنفيذ.
وإذا كان السيسي يكره ذكراها ويحاول تشويهها في كل خطاب، فذلك لأنه يعرف قبل غيره أن اليوم الذي يستعيد فيه المصريون روح 25 يناير، سيكون اليوم الذي تُكتب فيه شهادة سقوطه السياسي والأخلاقي، مهما حاول أن يقدّم نفسه كمنقذ أو قدر لا يُرد.

