مع اقتراب الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، يطلّ قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مجددًا ليحمّل الثورة مسؤولية الخراب الاقتصادي والانهيار السياسي والتشقق الاجتماعي، في خطاب مكرر يهدف قبل أي شيء إلى تبرئة نفسه ونظامه، وإدانة لحظة نهوض شعبي لم يغفر لها أنها أسقطت مبارك وفتحت باب السؤال عن شرعية حكم العسكر.

 

المفارقة الفجّة أن الرجل الذي يلعن يناير صباحًا ومساءً هو نفسه أحد أبرز المستفيدين من مناخها؛ فلولا الثورة ما كان المجلس العسكري ظهر بهذا الشكل، ولا صعد الجنرال المغمور إلى واجهة المشهد، ولا وُضع في موقع أتاح له تنفيذ انقلابه لاحقًا.

 

يناير لم تهدم الدولة.. الانقلاب هو من كسر عمودها الفقري

 

ثورة 25 يناير لم تخرج لتُسقط الدولة، بل لتُسقط نظامًا فاسدًا، امتد ثلاثين عامًا وأنتج قمعًا ممنهجًا وفسادًا مستشريًا وتوريثًا سياسيًا مفضوحًا.

 

الدولة – بمؤسساتها الأساسية – بقيت قائمة بعد الثورة:

 

•  الجيش لم يُحلّ

 

•  القضاء لم يُفكَّك

 

•  الشرطة نفسها عادت إلى الشوارع بعد أسابيع

 

•  البيروقراطية ظلت كما هي

 

ما تغيّر في 2011 كان رأس السلطة، لا كيان الدولة. الخراب الحقيقي بدأ لحظة تقرّر أن إرادة المصريين في أول انتخابات حرة يجب أن تُدهس تحت جنازير الدبابات، وأن المسار الديمقراطي الوليد لا يُسمح له بالنمو، وأن الحكم يجب أن يعود – لكن بثوب أكثر خشونة ووقاحة من عهد مبارك.

 

منذ انقلاب يوليو 2013، يمكن رصد مسار الانهيار بالأرقام والوقائع:

 

•  تضاعف الدين الخارجي أكثر من مرة.

 

•  تحوّل الجنيه إلى عملة تُذلّ يوميًا أمام الدولار.

 

•  بيع أصول استراتيجية من موانئ وشركات وأراضٍ للأجانب لسد فجوات ديون، لا لبناء اقتصاد منتج.

 

•  سحق المجال العام وملء السجون بعشرات الآلاف من المعارضين والصحفيين والنشطاء.

 

أيّ من هذه الكوارث لم تصنعه يناير، بل صنعته سلطة قررت أن تحكم وحدها، بلا شريك ولا رقابة ولا دستور يُحترم. فأكثر ما يفضح تناقض قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي أنه يحكم بدستور يقرّ صراحة في ديباجته بأن ثورة 25 يناير ثورة شعبية عظيمة، رفعت شعارات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وربطت بين يناير ويونيو في مسار واحد – كما صاغه النظام نفسه ليمنح حكمه غطاءً قانونيًا.

 

إذا كان الدستور الذي أُقرّ في عهد السيسي يعترف بأن يناير لحظة تأسيسية في تاريخ مصر الحديث، فكيف يخرج الرجل ذاته ليصفها – تصريحًا أو تلميحًا – بأنها سبب الخراب؟

 

إما أن ما في الدستور كذب، وإما أن خطاب السيسي هو الكذب. في الحالتين، نحن أمام حاكم لا يحترم حتى الأوراق التي يستند إليها في شرعيته الشكلية.

 

الأخطر من ذلك أن كل ما جرى منذ 2013 كان نقيضًا مباشرًا لروح يناير:

 

•  بدلاً من التداول السلمي للسلطة، تم تكريس حكم فرد مطلق.

 

•  بدلاً من دولة القانون، عادت دولة التعليمات الأمنية.

 

•  بدلاً من العدالة الاجتماعية، أصبحت سياسة الجباية والضرائب ورفع الأسعار عقيدة رسمية.

 

ثم يأتي السيسي، بعد عقد كامل من الحكم المنفرد، ليقول إن الثورة هي المسؤولة عن الفشل! كأن من تولى قيادة سفينة غارقة لعشر سنوات بلا منافس ولا معارض، يحمّل الموجة التي رفعت السفينة مرة واحدة ذنب كل الثقوب التي فتحها هو في بدنها.

 

من الذي دمّر الاقتصاد؟ من هتف “عيش حرية”.. أم من بنى القصور واستدان بالمليارات؟

 

حين يهتف الناس في 2011: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” لا يمكن اتهامهم بأنهم سبب الديون التي تجاوزت 160 مليار دولار، أو مشاريع العظمة الإسمنتية التي التهمت المليارات في عاصمة إدارية وقصور رئاسية وطرق بلا رؤية تنموية حقيقية.

 

من قرر أن يجعل الأولوية:

 

•  للكباري فوق الأحياء الفقيرة بدل تطوير خدماتها،

 

•  وللعاصمة الجديدة بدل القرى المتهالكة،

 

•  ولصفقات السلاح الضخمة بدل الاستثمار في التعليم والصحة،

 

هو المسؤول عن الخراب، لا الشباب الذين ملأوا الميادين حلمًا بدولة عادلة.

 

من الذي دمّر الاقتصاد؟

 

هل هم الشهداء الذين قُتلوا في "محمد محمود" و"رابعة" و"رمسيس"؟

 

أم السلطة التي حولت مصر إلى اقتصاد يديره العسكر، يحتكر المشروعات الكبرى، ويزاحم القطاع الخاص، ويبتلع موارد الدولة بلا شفافية ولا رقابة؟

 

من الذي أفسد السياسة؟

 

هل هم من شاركوا في أول انتخابات حرة، وقبلوا نتائجها حتى وهم مختلفون؟

 

أم من قرر أن البرلمان مجرد ديكور، والإعلام مجرد أبواق، والقضاء مجرد أداة لإصدار أحكام جاهزة؟

 

من الذي شرّع باب الهجرة الواسعة، ودفع مئات الآلاف من الشباب إلى الحلم بترك البلاد بأي ثمن؟

 

هل هي ثورة طالبت بالكرامة، أم نظام حوّل الحياة اليومية إلى عبء لا يُطاق، وفرض على الناس معادلة مهينة: إمّا الصمت على الظلم، وإمّا السجن أو الفقر أو المنفى؟

 

في النهاية، السيسي لا يهاجم ثورة 25 يناير لأنها خرّبت مصر، بل لأنها كسرت أسطورة الحاكم الذي لا يُسأل. يناير قالت لأول مرة منذ عقود إن هذا الشعب قادر على أن يقول "ارحل"، وأن يفرض كلمته على نظام tưởng أنه خالد.

 

لهذا يخاف السيسي من يناير، ولهذا يلعنها.

 

لا يدافع عن الدولة، بل يدافع عن سلطة تعرف جيدًا أن اليوم الذي يستعيد فيه المصريون روح 25 يناير، سيكون يوم الحساب الحقيقي:

 

حساب الدم، والديون، والقصور، والخراب الذي يُعلَّق زورًا على ثورة كانت أكبر من كل من حاولوا سرقتها أو تشويهها.