خلال يومين فقط، قفز الذهب بقوة إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة عالميًا ومحليًا، في موجة تعكس حالة فزع متصاعدة في الأسواق.
الصعود لم يأتِ من فراغ، بل من خليط ثقيل: توترات جيوسياسية، ضباب كثيف يلف السياسات التجارية العالمية، ومخاوف من عودة سيناريوهات الحروب التجارية التي تضرب سلاسل الإمداد وتضغط على النمو.
النتيجة كانت اندفاعًا واسعًا نحو المعدن النفيس بوصفه “الخيار الأقل خطورة”، بينما تتحول الأسواق الأخرى إلى أرض رخوة تتسع فيها الخسائر بسرعة.
موجة عالمية تغذي الهلع وتفتح شهية المضاربة
المشهد العالمي يدفع الذهب إلى واجهة التحوط من جديد، ليس كأداة ادخار فقط، بل كملاذ يُستخدم للهروب من اضطراب السياسة والاقتصاد في وقت واحد.
الحديث المتصاعد عن توترات مرتبطة بجرينلاند، إلى جانب تهديدات بفرض تعريفات جمركية مرتفعة، أعاد إلى الذاكرة أجواء “الحرب التجارية” بكل آثارها المعتادة: تذبذب العملات، ارتفاع تكاليف الاستيراد، وانكشاف الأسواق على صدمات مفاجئة.
في مثل هذه الأجواء، يتحول الذهب إلى كتلة جذب لا تحتاج دعاية، لأن الخوف نفسه يقوم بالمهمة.
خبير أسواق الذهب سعيد إمبابي (من المتابعين البارزين لتسعير الذهب محليًا) يرى أن موجات الصعود الحاد لا تعكس فقط طلبًا استثماريًا طبيعيًا، بل تكشف أيضًا عن زيادة واضحة في نشاط المضاربة، حيث يندفع جزء من السوق للشراء السريع مع كل قفزة، ثم يعيد البيع على مستويات أعلى، ما يضخم الارتفاعات ويدفع الأسعار إلى قيعان منطقية جديدة يومًا بعد يوم.
ووفق هذا المنطق، يصبح الذهب “سوقًا عصبيًا” أكثر منه سوقًا مستقرة، وتغدو التحركات اليومية مؤلمة لمن يدخل في توقيت خاطئ.
السوق المصرية تشتعل: 21 يقفز إلى 6520 والجنيه الذهب يتجاوز 52 ألفًا
على الجانب المحلي، انعكست الموجة العالمية بسرعة على أسعار الذهب في مصر، مع قفزات قوية هذا الأسبوع. وصل سعر جرام عيار 21 الأكثر تداولًا إلى 6520 جنيهًا، وبلغ عيار 24 نحو 7451 جنيهًا، وعيار 18 نحو 5588 جنيهًا، بينما قفز الجنيه الذهب إلى 52,160 جنيهًا. هذه ليست “زيادة طبيعية”، بل صدمة سعرية تضرب مباشرة مدخرات الأسر وقرارات الشراء، وتخلق موجة اندفاع جديدة لدى من يخافون من تآكل قيمة العملة أو استمرار التضخم.
علاء السنوسي عضو شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية أكد أن الزيادات أصبحت يومية، وأن الذهب ما زال الملاذ الأكثر طلبًا للادخار في نظر كثيرين، مشيرًا إلى أن استمرار الصعود يجعل كثيرين يشعرون أن المكسب “مضمون” في المدى القصير. لكنه في الوقت نفسه يعكس حالة سوق لا تهدأ، حيث تتحول قرارات الشراء إلى رد فعل عصبي على رقم جديد لا على خطة ادخار واعية.
ومن زاوية أخرى أكثر صراحة، يشدد الخبير في تجارة الذهب نادي نجيب (أحد الأسماء المعروفة في سوق الصاغة بالقاهرة) على أن جزءًا كبيرًا من الاندفاع الحالي تغذيه “عدوى الخوف”: أفراد يشترون فقط لأن السعر يرتفع، ثم يكتشفون لاحقًا أنهم دفعوا علاوات أعلى ومصنعية أثقل، وأن السوق ليس طريقًا قصيرًا للربح السريع كما يتخيل البعض. في موجات الغليان، الخاسر غالبًا ليس من اشترى الذهب، بل من اشترى بلا حساب لتكاليف التداول وتوقيت الدخول.
خبراء الصاغة يحذرون: لا سقف للأسعار… والمصنعية تتحول إلى فخ
التوقعات المتداولة بين خبراء القطاع تميل إلى استمرار التذبذب الحاد، مع احتمالات تسجيل قمم جديدة طالما بقيت عوامل الاضطراب العالمي قائمة. هاني ميلاد رئيس الشعبة العامة للذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية وصف المشهد بأنه مفتوح على صعود إضافي مدفوعًا بزيادة الطلب، مؤكدًا أن السوق لا يملك “سقفًا” واضحًا في ظل تسارع الأحداث الدولية، وأن كل موجة توتر جديدة يمكن أن تضيف طبقة أخرى من الارتفاع.
ميلاد يشير أيضًا إلى نقطة شديدة الحساسية في السوق المصري: الفارق بين المشغولات والسبائك، حيث تلعب المصنعية دورًا حاسمًا في قرار الشراء. ومع القفزات اليومية، قد تبدو المصنعية قابلة للتعويض سريعًا، لكن هذا صحيح فقط حين يكون الاتجاه صاعدًا بلا انقطاع. أما إذا حدث تصحيح سعري مفاجئ، فإن المصنعية قد تتحول إلى خسارة صامتة يكتشفها المشتري بعد فوات الأوان.
وفي السياق نفسه، يرى سعيد إمبابي أن تضخم الأسعار لا يأتي من العامل العالمي وحده، بل من تفاعل محلي يزيد الاشتعال: الطلب الاستهلاكي يتحول إلى طلب ادخاري، والادخار يتحول إلى سباق، والسباق يتحول إلى ضغط على المعروض، ثم يعود السعر ليقفز من جديد. هكذا تتغذى الدائرة على نفسها، ويصبح السوق مرآة للقلق العام لا لمعادلات العرض والطلب فقط.
الخلاصة أن الذهب في مصر لا يرتفع “برفق”، بل يقفز بعنف، ويترك وراءه سوقًا مرتبكًا بين خوف التضخم وشهية المضاربة. وبينما يراهن البعض على استمرار الصعود، فإن الحدة الحقيقية تكمن في أن موجة الذهب ليست مجرد خبر اقتصادي، بل مؤشر على مزاج اجتماعي يريد حماية مدخراته بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الدخول إلى سوق يشتعل بلا فرامل.

