يكتب صالح سالم من القاهرة أن رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي وافق على الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو كيان جديد أُنشئ للإشراف على خطة أميركية تهدف إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة عبر نزع السلاح، وترتيبات حكم انتقالي، وبرامج إعادة إعمار واسعة النطاق.
وتؤكد صحيفة العربي الجديد في هذا السياق أن وزارة الخارجية المصرية أعلنت في بيان رسمي، في 21 يناير، موافقة القاهرة على المشاركة في المجلس، مع التزامها باستكمال الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة لتثبيت العضوية، مشيدة بدور ترامب القيادي، ومشددة على تمسك مصر بإنهاء الحرب وتحقيق استقرار دائم في المنطقة.
حسابات السياسة والأمن الإقليمي
تأتي موافقة السيسي بعد أيام فقط من توجيه الدعوة الأميركية، وفي وقت يتصاعد فيه جدل داخلي وانتقادات علنية للمجلس الجديد. حذر بعض الأصوات البارزة، مثل الكاتب إبراهيم عيسى، من أن مشاركة مصر قد تقوض مكانتها الاستراتيجية المستقلة، معتبرًا أن الانضمام قد يضع القاهرة داخل إطار يدار أميركيًا ويحد من هامش المناورة الإقليمي.
في المقابل، يرى محللون أن حسابات الأمن القومي لعبت دورًا حاسمًا في القرار. يؤكد المحلل السياسي أحمد عبد المجيد أن لمصر تاريخًا طويلًا في جهود الوساطة وصناعة السلام، وأن وجودها داخل المجلس يمنحها فرصة لحماية مصالحها ومنع أي تصعيد إسرائيلي جديد ضد غزة. ويربط عبد المجيد بين أمن غزة وأمن سيناء، موضحًا أن الجغرافيا تجعل أي انفجار أمني في القطاع خطرًا مباشرًا على الأراضي المصرية.
تعززت هذه المخاوف مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة، التي دفعت القاهرة إلى زيادة انتشار قواتها في سيناء خشية تسلل الفوضى أو اندفاع جماعات مسلحة إلى استغلال الوضع، فضلًا عن القلق من سيناريو تهجير جماعي للفلسطينيين إلى داخل الأراضي المصرية، وهو ما تعتبره القاهرة خطًا أحمر يهدد أمنها الوطني.
تصويت مباشر ونفوذ في مستقبل غزة
يمنح انضمام مصر إلى المجلس صوتًا مباشرًا في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو أمر ترى فيه القاهرة مكسبًا سياسيًا مهمًا. يشير محللون في القاهرة إلى أن المشاركة تتيح لمصر التأثير في شكل الإدارة الانتقالية لغزة، خاصة أن أي ترتيبات مستقبلية في القطاع تنعكس مباشرة على استقرار الحدود المصرية.
يستمد المجلس شرعيته من قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، الذي أيد الخطة الأميركية لوقف إطلاق النار في غزة. ويركز المجلس في مرحلته الأولى على ما يسمى بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي انطلقت منتصف يناير، وتشمل حشد الموارد الدولية لإعادة الإعمار، والإشراف على نزع السلاح، ونشر قوات أمن دولية داخل القطاع.
ترى القاهرة أن وجودها داخل هذا الإطار يسمح لها بالدفاع عن رؤيتها الخاصة لإعادة الإعمار، وهي رؤية أعلنتها العام الماضي بقيمة 53 مليار دولار، وحظيت بدعم عربي وإسلامي وأوروبي. هدفت هذه الخطة، وفق محللين، إلى إفشال أي مخطط إسرائيلي لجعل غزة غير صالحة للحياة أو دفع سكانها إلى الهجرة القسرية.
مكاسب اقتصادية محتملة وضغوط أميركية
لا تنفصل الحسابات الاقتصادية عن القرار السياسي. تواجه مصر تحديات مالية كبيرة، تفاقمت بفعل الحرب في غزة وتداعياتها على قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي. أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات الشحن بعيدًا عن القناة، ما تسبب في خسائر فادحة للإيرادات المصرية، رغم بدء عودة تدريجية للحركة الملاحية.
يرى دبلوماسيون سابقون، مثل السفير معتز أحمدين، أن مشاركة مصر في مجلس السلام قد تعزز علاقاتها مع واشنطن، وتفتح الباب أمام مساعدات اقتصادية وعسكرية، أو تخفيف أعباء الديون. ويؤكد أحمدين أن وجود مصر يضفي شرعية دولية على المجلس، في وقت يخشى فيه منتقدون أن يسعى هذا الكيان إلى تهميش دور الأمم المتحدة.
على صعيد آخر، تبرز فرص اقتصادية مباشرة مرتبطة بإعادة إعمار غزة. تمتلك الشركات المصرية خبرة إقليمية واسعة في مشاريع البناء والبنية التحتية، وتتمتع مصر بميزة القرب الجغرافي، ما يجعلها مرشحًا قويًا للفوز بعقود توريد المواد وتنفيذ المشاريع داخل القطاع المدمر.
لكن هذه الفرص لا تخلو من مخاطر. يحذر أحمدين من احتمال تهميش الخطة المصرية لصالح تصورات بديلة، مثل «مشروع شروق الشمس» المدعوم أميركيًا، وهو سيناريو قد يترك القاهرة على هامش العملية، مكتفية بنصيب محدود من العوائد.
في المحصلة، يعكس انضمام مصر إلى «مجلس السلام» مزيجًا معقدًا من الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية. تراهن القاهرة على أن وجودها داخل هذا الإطار يمنحها قدرة على حماية مصالحها ومنع سيناريوهات تهدد أمنها، بينما تبقى النتيجة النهائية رهينة بتوازن القوى داخل المجلس، ومدى استعداد واشنطن للاعتراف بالدور المصري كشريك حقيقي لا مجرد داعم ثانوي.
https://www.newarab.com/news/egypt-joins-gaza-board-peace-amid-strategic-economic-lures

