مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

لا تتوقف حكومة مصطفى مدبولي عن خداع المصريين، مرة بالوعود البراقة وسياسات التسويف والحديث الذي لا يتوقف عن بشائر الاقتصاد، وقرب الانفراجة، ومعدلات النمو المرتفعة، وبدء موسم قطف ثمار برنامج ما يسمي بالإصلاح الاقتصادي رغم أن الجميع يدرك أن هذا البرنامج أفقر المواطن وأذله، وأغرق الدولة في تلال من الديون، ورهن اقتصادها وإيراداتها وموازنتها للدائنين ومنهم صندوق النقد، وأكل الأخضر واليابس، ونشر البؤس في طول البلاد وعرضها.

 

ومرة ثانية تخدعهم بالأرقام المبالغ فيها والتي لا تمت للحقيقة بصلة والحديث المكثف عن حلول سريعة للأزمات المستعصية ومنها تفاقم الدين العام وتفشي الغلاء والفقر والبطالة، والنتيجة أن الحكومة باتت في وادٍ والمواطن في وادٍ آخر.

 

ومرة ثالثة يجري الخداع عبر إغراق المصريين بمصطلحات غامضة وغير مفهومة مثل "تبني الحكومة السرديات الاقتصادية، ومنها سرديات الاستقرار، والعمل على الجاذبية الاستثمارية في عالم يتسم باللايقين وغيرها".

 

ومرة رابعة بإثارة الجدل وإطلاق معارك الإلهاء الواحدة تلو الأخرى في قضايا حساسة وبالغة التعقيد، وإلقاء كرات لهب وسموم اقتصادية قاتلة ظانة أنها مجرد عصفورة تلهي بها الرأي العام بعض الوقت إلى حين اختراع معركة جديدة، رغم أن الحديث عن تلك المعارك بهذا الشكل قد يوحي، وعلى غير الحقيقة، بقرب حدوث إفلاس وتعثر مالي، ويثير قلق المدخرين والمستثمرين والمؤسسات المالية العالمية والمحلية على حد سواء.

 

إحدى صور المعارك الأخيرة، هي تلك التي أشعلتها الحكومة قبل أيام وتتعلق بتبني مقترح رجل الأعمال حسن هيكل والمعروف بـ"المقايضة الكبرى"، أو مبادلة الديون الحكومية، والذي يقضي ببيع أصول الدولة للبنك المركزي المصري مقابل تصفير الدين العام والذي تجاوز محليًا أكثر من 11 تريليون جنيه، أي ما يعادل 233 مليار دولار، إضافة إلى 163 مليار دولار دينًا خارجيًا. بل وزعم المقترح أن ميزانية البنك المركزي هي الوحيدة القادرة على استيعاب الدين المحلي دون طباعة نقد جديد.

 

حكومة مدبولي تعاملت مع هذا المقترح الخطير وكأنه حل سحري لم يسبق لدولة أن طبقته، وسوقت له بالدعاية المكثفة تارة والغموض والخداع تارة أخرى مع الحديث عن قرب الكشف عن "مفاجأة كبرى"، والإيحاء لوسائل الإعلام والرأي العام أن الحكومة تعمل لخفض الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 70 عامًا، صاحبت ذلك كله إثارة حالة الترقب مع حديث مكثف عن إنجازات اقتصادية لا يترجمها الواقع.

 

"تصفير الديون" وفق المقترح الحالي الذي تروجه الحكومة على نطاق واسع هو بمثابة لعب بالنار، ليس فقط من زاوية نقل مشكلة الدين الحكومي من الموازنة العامة للدولة ووزارة المالية إلى القطاع المصرفي، وليس من باب أن صاحبه لا يدرك وظيفة البنك المركزي الأساسية من حيث أنه المسؤول الأول عن إدارة السياسة النقدية، وحماية أموال المودعين، والرقابة على أنشطة البنوك وأسواق الصرف، وإدارة احتياطيات الدولة الأجنبية، لكن الخطر الأكبر في المقترح هي نتائجه الخطيرة، واحتمالية هز الثقة في القطاع المصرفي، وإثارة البلبلة بين المودعين الذين قد يسارع بعضهم إلى سحب أمواله من البنوك ظنًا منه أنها ستوجه لسداد ديون الحكومة، وأنه بدلًا من أن يحافظ البنك المركزي عليها فإنه سيوجهها لتبييض وجه السلطات المسؤولة عن إدارة الملف الاقتصادي والمالي.

 

الحكومة ببساطة، تهرب من مسؤوليتها في معالجة كوارثها المالية المتتالية، بل تمارس سياسة الخديعة الكبرى وتحاول التنصل من فشلها الاقتصادي، أو احتواء واحدة من أبرز الأزمات التي تمر بها مصر في السنوات الأخيرة وهي إغراق الدولة في ديون عامة تقترب قيمتها من 400 مليار دولار، وتحميل الأجيال الحالية والمستقبلية ديونًا لا قبل لهم بها.