أعاد إفصاح شركة «نيوميد إنرجي» – أحد شركاء حقل ليفياثان الإسرائيلي – طرح تساؤلات كبرى حول استقلال القرار المصري في ملفات الطاقة، بعد إعلانها استيفاء جميع «الشروط المسبقة» لاتفاق تصدير الغاز إلى مصر، بما يعني عمليًا أن القاهرة تراجعت عن تحفظات أعلنتها رسميًا قبل أيام على بنود «تفضيلية» لصالح الاحتلال، تمنح تل أبيب أولوية مطلقة لاحتياجاتها الداخلية، مع صلاحية خفض الإمدادات لمصر بنسبة قد تصل إلى 60%.
أولًا - من رفض الشروط إلى تمريرها.. كيف تخلّت القاهرة عن تحفظاتها؟
في 9 يناير الجاري، سرّبت تقارير اقتصادية مصرية أن الحكومة أبدت اعتراضًا واضحًا على «بنود إسرائيل أولًا» في صفقة الغاز البالغة 35 مليار دولار، والتي تتضمن تزويد مصر بنحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، ورفضت رسميًا منح الاحتلال الحق في تقليص الإمدادات متى شاء بحجة حماية السوق المحلية.
لكن إفصاح «نيوميد» الأخير، ومعه تغطيات اقتصادية متطابقة، أكد أن «جميع الشروط المسبقة قد تم استيفاؤها»، وأن الشركاء في حقل ليفياثان – وعلى رأسهم شيفرون ونيوميد – اتخذوا قرار استثمار نهائي بقيمة 2.4 مليار دولار لتوسيع الإنتاج، اعتمادًا على أن الجانب المصري أذعن فعليًا لتلك الشروط المثيرة للجدل.
الاتفاق المعدَّل يمنح وزارة الطاقة الإسرائيلية سلطة خفض الإمدادات لمصر بنسبة تصل إلى 60% بدءًا من 2036، ولمدد قد تمتد لعام كامل، فضلًا عن «بند طوارئ» يسمح بتقليص أو تعليق الإمدادات إذا استمرت فجوة في الإمداد داخل إسرائيل لمدة 28 يومًا فقط، دون أي آلية متكافئة لحماية الجانب المصري.
هنا يبرز تحذير أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة د. عالية المهدي التي طالبت مرارًا بخفض أسعار الغاز للصناعة المصرية إلى مستويات قريبة من 2.5 دولار للمليون وحدة حرارية، مؤكدة أن أسعار الطاقة في مصر «أغلى من معظم الدول المحيطة تقريبًا»، وهو ما يضرب تنافسية الصناعة. في ضوء هذا التحليل، تبدو مفارقة صارخة أن تُلزِم القاهرة نفسها بعقد طويل الأجل يجعلها رهينة لقرار طرف أجنبي، بينما تتحمل صناعتها المحلية واحدًا من أعلى أكلاف الطاقة في الإقليم.
ثانيًا - أمن طاقة مُفرَّغ من مضمونه.. اقتصاد رهينة لأنبوب واحد
جوهر الدعاية الرسمية للصفقة هو «تعزيز أمن الطاقة» وضمان إمدادات مستقرة لتشغيل محطات الكهرباء ومصانع البتروكيماويات وإعادة تصدير الغاز المسال. لكن البنود الحقيقية للاتفاق تفعل العكس تمامًا؛ إذ تعطي إسرائيل حقًا أحاديًا في قطع شريان الغاز عن مصر متى شعرت بأي ضيق في سوقها المحلية، بينما لا تتمتع القاهرة بأي أداة ملزمة مقابلة، ولا حتى شفافية برلمانية أو رقابة مجتمعية على هذا الترتيب شديد الحساسية.
دراسات متخصصة عن توازنات الغاز في شرق المتوسط تشير إلى أن مصر باتت تتأرجح بين فائض وعجز، وأنها في 2023 تحوّلت فعليًا إلى بلد يعاني نقصًا في الغاز، حيث يمثل الغاز نحو 60% من مزيج الطاقة المحلي، ومعظم السيناريوهات تتوقع استمرار هشاشة الميزان خلال العقد المقبل دون اكتشافات ضخمة جديدة.
في هذا السياق، يحذّر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من أن فاتورة استيراد الغاز لمصر في 2025 وحده قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار، بعدما تحولت من دولة مصدِّرة إلى مستوردة للغاز – من إسرائيل تحديدًا – بما يمثّل عبئًا هائلًا على ميزان المدفوعات واحتياطيات النقد الأجنبي. ويضيف في تحليلات أخرى أن الاعتماد على تدفقات خارجية مؤقتة وقروض و«أموال ساخنة» لسد فجوات العملة الصعبة دون خلق قدرة إنتاجية حقيقية، يضع الاقتصاد على حافة هاوية دائمة.
إذا جمعنا هذه الصورة مع بنود الصفقة الجديدة، سنجد أن مصر لا تحصل على «أمن طاقة» بقدر ما تربط اقتصادها – وبالذات كهرباءها وصناعتها – بأنبوب يمكن لإسرائيل أن تغلقه أو تقلّصه في أي لحظة لأسباب داخلية أو سياسية، بينما تُواصل القاهرة بيع خطاب «تحقيق الاكتفاء والتصدير» للداخل.
ثالثًا - من الاستثمار إلى الاستعمار الاقتصادي المقنّع
من زاوية أخرى، لا يمكن فصل الصفقة عن سياق إقليمي يشهد حرب إبادة على غزة، واتهامات واسعة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب، فيما تستمر حكومة الانقلاب في توقيع وتفعيل أضخم صفقة طاقة في تاريخ تل أبيب، بقيمة 35 مليار دولار، تمتد حتى 2040، وتُضاعف ثلاث مرات تقريبًا حجم الغاز المصدر إلى مصر مقارنة باتفاق 2018.
هنا تستعيد د. سالي صلاح – خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد – في أحد مقالاتها سؤالًا جوهريًا: متى يكون «الاستثمار» مجرد «استعمار اقتصادي مقنّع»؟ إذ تحذّر من الصيغ التي تنقل السيطرة على الموارد والأصول الاستراتيجية لصالح أطراف خارجية أقوى، عبر عقود طويلة الأجل غير متكافئة، تُقيد خيارات الدول الضعيفة وتحوّلها إلى أسواق تابعة.
بتطبيق هذا المنظور على صفقة الغاز، تبدو الصورة أكثر حدة: إسرائيل تحصل على أكبر عقد تصدير في تاريخها، يضمن لها إيرادات مستقرة لعقود، ويُسهم في تمويل اقتصادها وحروبها، بينما تصبح مصر «زبونًا أسيرًا» لغاز يمكن تخفيضه في أي لحظة، دون شفافية أو نقاش عام حول البدائل أو العوائد الحقيقية على المجتمع المصري.
في النهاية، تكشف تخلّي القاهرة عن تحفظاتها على بنود «إسرائيل أولًا» أن القضية ليست مجرد عقد تجاري؛ بل اختبار خطير لحدود السيادة الوطنية في ملف استراتيجي مثل الطاقة. وبين تحذيرات د. عالية المهدي من كلفة الطاقة الخانقة على الصناعة، وتنبيهات هاني توفيق من الاعتماد على الواردات والقروض، وأسئلة د. سالي صلاح عن الاستعمار الاقتصادي المقنّع، يتشكل إجماع مهني واضح: صفقة الغاز الحالية ليست «إنجازًا» كما يروَّج لها، بل حلقة جديدة في سلسلة تنازلات تضع اقتصاد مصر وأمنها الطاقي تحت رحمة أنبوب قادم من دولة احتلال، بلا ضمانات حقيقية ولا نقاش وطني مستحق.

