رغم ركود حركة البيع في الأسواق وتراجع إقبال المستهلكين على شراء الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية بسبب الغلاء، يجد المصريون أنفسهم أمام موجة جديدة محتملة من ارتفاع الأسعار، driven هذه المرة بقفزة قياسية في أسعار النحاس عالميًا. فالمعدن الأحمر، الذي يعد عصب مواتير الأجهزة وأسلاكها ووصلاتها، ارتفع سعره عالميًا إلى أكثر من 12 ألف دولار للطن بنهاية 2025، بعد زيادة هي الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية، ليصل مؤخرًا إلى حدود 13 ألف دولار للطن في بعض البورصات.

 

في الوقت نفسه، يحذّر مصنعون وتجار من أن استمرار تصدير «الخام الأحمر» من مصر دون ضوابط، في وقت تعاني فيه المصانع المحلية من نقص المعروض وارتفاع التكلفة، يعني نقل عبء الأزمة بالكامل إلى المستهلك النهائي، عبر زيادات جديدة في أسعار الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية خلال الشهور المقبلة، ما لم تتدخل الحكومة بسياسة واضحة لتوجيه النحاس نحو التصنيع المحلي بدلًا من خروجه خامًا إلى الخارج.

 

قفزة تاريخية في أسعار النحاس عالميًا تضرب كلفة الإنتاج

 

خلال العام الماضي، قفزت أسعار النحاس إلى مستويات غير مسبوقة؛ إذ تجاوز السعر على بورصة لندن للمعادن حاجز 12 ألف دولار للطن في ديسمبر، مسجلًا أكبر زيادة سنوية في نحو 15 عامًا، مدفوعًا بنقص المعروض العالمي، وطفرة الطلب من قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات.

 

بيانات منصات اقتصادية متخصصة تشير إلى أن سعر النحاس واصل الصعود ليقترب في يناير الجاري من 6 دولارات للرطل (حوالي 13 ألف دولار للطن)، بزيادة تقارب 37% على مدار عام واحد، وما يقرب من 60% خلال فترة أطول قليلًا، بحسب تقديرات بيوت أبحاث وبنوك استثمار دولية.

 

هذا الارتفاع لا يبقى حبيس شاشات البورصات، بل ينتقل مباشرة إلى خطوط إنتاج الأجهزة المنزلية والأدوات الصحية؛ فالنحاس يدخل في مواتير الغسالات والثلاجات والمكيفات، وفي الأسلاك الداخلية للأجهزة الصغيرة، كما يدخل في سبائك النحاس الأصفر (البِراس) المستخدمة بكثافة في خلاطات المياه والوصلات الصحية، وهي مواد ارتفعت أسعارها عالميًا بنسبة تراوحت بين 15 و18% في بعض الأسواق خلال الأشهر الماضية.

 

ضغط مباشر على أسعار الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية

 

قطاع الأجهزة المنزلية في مصر ليس قطاعًا هامشيًا؛ فحجم سوق الأجهزة المنزلية تجاوز 6.8 مليار دولار في 2024، مع توقعات بنمو سنوي يقارب 7.8% حتى 2033، رغم التحديات التضخمية. ومع أن الطلب الاستهلاكي تراجع فعليًا بفعل الغلاء وارتفاع الفائدة وتآكل دخول الأسر، فإن المصانع تجد نفسها مضطرة لموازنة معادلة صعبة: إما تحمل جزء من الزيادة في التكلفة على حساب هوامش ربحها، أو تمريرها للمستهلك في شكل موجة جديدة من رفع الأسعار.

 

تجارب أسواق ناشئة أخرى توضح اتجاهًا شبه عام؛ فشركات أجهزة في دول آسيوية أعلنت بالفعل زيادات تتراوح بين 5 و7% في أسعار التكيفات وأجهزة الطبخ والأدوات المنزلية، بعد أن لامس سعر النحاس في بورصات محلية حدود 1300 جنيه للكيلو، وهو سيناريو لا يستبعد مصنعون مصريون تكراره محليًا إذا استمرت الأسعار العالمية عند هذه المستويات المرتفعة.

 

الأمر نفسه ينسحب على سوق الأدوات الصحية؛ فكثير من خلاطات المياه والوصلات تعتمد على سبائك النحاس والبِراس، وأي زيادة في سعر الطن تنعكس على سعر المنتج النهائي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والشحن ومكونات أخرى. ومع تراجع حركة البناء الخاصة وضعف القدرة الشرائية، يعني أي ارتفاع جديد في الأسعار مزيدًا من التجميد في الطلب، وتعميق حالة الركود التي يشكو منها التجار بالفعل.

 

مصر تصدِّر النحاس وتستورد الغلاء: دعوات لوقف تصدير الخام الأحمر

 

المفارقة الصارخة أن مصر تُعد مُصدِّرًا مهمًا للنحاس الخام والمصنَّع؛ فبيانات التجارة الدولية تشير إلى أن صادرات النحاس المصرية وصلت إلى نحو 1.04 مليار دولار في 2024، بينما مثّلت صادرات سلك النحاس المكرر وحدها حوالي 961 مليون دولار، بما يعادل 2.2% تقريبًا من إجمالي الصادرات السلعية المصرية في العام نفسه.

 

هذا يعني ببساطة أن جزءًا معتبرًا من النحاس المصري يخرج إلى أسواق العالم في صورة خام أو شبه مصنَّع، ليستفيد من قيمته المضافة مصانع أجنبية، بينما تضطر المصانع المحلية إلى شراء احتياجاتها بأسعار عالمية ملتهبة، فتنعكس الدائرة كاملة في شكل غلاء جديد على المستهلك المصري.

 

لذلك يطالب خبراء ومصنعون بوقف مؤقت أو تقييد صارم لتصدير «الخام الأحمر» في هذه المرحلة الحرجة، مع توجيه الكميات المتاحة أولًا لتغطية احتياجات الصناعات المحلية، خصوصًا الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية وكابلات الكهرباء. بعضهم يقترح نموذجًا تدريجيًا، عبر فرض رسوم تصدير تصاعدية على الخام الخام والمنتجات الأولية، مقابل حوافز ضريبية وتمويلية للمصانع التي تستخدم النحاس في منتجات نهائية موجهة للسوق المحلي أو للتصدير بقيمة مضافة أعلى.