مع بداية عام 2026، تتواصل موجة الارتفاع الحاد في أسعار الذهب داخل السوق المصرية، لتضيف عبئًا جديدًا على كاهل ملايين الأسر، خصوصًا الشباب المقبلين على الزواج، الذين باتت فكرة شراء شبكة الخطوبة الذهبية أقرب إلى حلم مؤجل في ظل تآكل الدخول وتراجع القوة الشرائية بشكل غير مسبوق.
فالذهب، الذي كان يُنظر إليه تقليديًا كجزء أساسي من طقوس الزواج والاستقرار الأسري، تحوّل إلى سلعة مرتفعة التكلفة تعكس أزمة أوسع في الاقتصاد المحلي، حيث تتقاطع عوامل التضخم، وضعف العملة، والضغوط العالمية، لتدفع الأسعار إلى مستويات قياسية تفوق قدرة غالبية المواطنين.
أسعار قياسية مع مطلع 2026
تشير بيانات السوق المحلية في بداية يناير 2026 إلى مستويات مرتفعة لأسعار الذهب، إذ سجل:
سعر جرام الذهب عيار 21 (الأكثر تداولًا): نحو 5830 جنيهًا.
سعر جرام الذهب عيار 24: قرابة 6662 جنيهًا.
سعر الجنيه الذهب (8 جرامات): حوالي 46640 جنيهًا.
وتشهد الأسعار تذبذبًا يوميًا بين ارتفاع وانخفاض طفيف، وفقًا لتحركات السوق العالمي وسعر الدولار محليًا، إلا أن الاتجاه العام لا يزال صاعدًا. وخلال عام 2025 وحده، ارتفع سعر جرام الذهب في مصر بنحو 2090 جنيهًا، في واحدة من أكبر القفزات السعرية التاريخية، رغم فترات التراجع المؤقت.
هذه الأرقام تعني عمليًا أن شبكة خطوبة متوسطة الوزن قد تتجاوز تكلفتها عشرات الآلاف من الجنيهات، وهو رقم يعادل دخل موظف حكومي لعدة أشهر، وربما لعام كامل في بعض الحالات.
لماذا يقفز الذهب بهذا الشكل؟
يرجع خبراء الاقتصاد ارتفاع أسعار الذهب في مصر إلى مجموعة متشابكة من العوامل المحلية والعالمية. في مقدمتها الارتفاع العالمي لسعر الذهب، الذي يتأثر بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وضعف الدولار الأمريكي، وتوقعات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، ما يدفع المستثمرين إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين.
إلى جانب ذلك، يلعب ضعف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية دورًا مباشرًا في تضخيم الأسعار محليًا، حيث يؤدي تراجع قيمة العملة إلى زيادة تكلفة استيراد الذهب الخام، وهو ما ينعكس فورًا على أسعار المشغولات في محال الصاغة.
كما ساهمت زيادة الطلب المحلي والمضاربة في تسريع وتيرة الارتفاع، إذ يلجأ كثير من المواطنين إلى الذهب كأداة لحفظ القيمة، في ظل تراجع الثقة في أدوات الادخار التقليدية، وارتفاع معدلات التضخم. هذا السلوك، رغم كونه مفهومًا اقتصاديًا، يضغط على السوق ويرفع الأسعار أكثر، في دائرة مغلقة من القلق والبحث عن الأمان.
وتضاف إلى ذلك عوامل اقتصادية أوسع، مثل التيسير النقدي في بعض الأسواق العالمية، أو التوقعات بخفض أسعار الفائدة مستقبلًا، وهي عوامل تصب جميعها في مصلحة الذهب كأصل استثماري خلال الأزمات.
الزواج تحت الضغط.. والبدائل القسرية
انعكس هذا الارتفاع الحاد بشكل مباشر على سوق الزواج في مصر. فشبكة الخطوبة الذهبية، التي كانت تمثل رمزًا اجتماعيًا مستقرًا، تحولت إلى عبء اقتصادي ثقيل، دفع العديد من الأسر إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، مثل الفضة أو المصوغات المطلية، رغم المخاوف المتعلقة بالجودة والقيمة طويلة الأجل.
ويشير متابعون إلى أن كثيرًا من الشباب باتوا يؤجلون الزواج، أو يدخلون في دوامة ديون طويلة الأمد لتغطية تكلفة الذهب، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية، خاصة على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
ومن منظور اقتصادي أوسع، لا يُعد ارتفاع الذهب مجرد تذبذب سعري مؤقت، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية أعمق، تتمثل في تآكل القوة الشرائية للمواطنين، بالتوازي مع تضخم عام في أسعار السلع والخدمات الأساسية. فحتى مع الحديث عن مؤشرات نمو اقتصادي، لا تزال الدخول غير قادرة على مواكبة تكاليف المعيشة، ما يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيدًا عن نفقات كانت تُعد يومًا ما أساسية، مثل الذهب للخطوبة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الذهب في مصر ليس فقط كسلعة استهلاكية، بل كأصل استثماري يحافظ على القيمة، وهو ما يعمّق التناقض بين كونه ضرورة اجتماعية وعبئًا اقتصاديًا في الوقت نفسه.
أزمة تتجاوز الذهب
في المحصلة، لم يعد ارتفاع أسعار الذهب مجرد مسألة تتعلق بسوق الصاغة، بل أصبح مؤشرًا واضحًا على أزمة أوسع في القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي. فتحول شبكة الخطوبة إلى عبء ثقيل يعكس واقعًا يزداد قسوة، حيث تتراجع قدرة الشباب على تأسيس حياة مستقرة، وتتآكل التقاليد الاجتماعية تحت وطأة الأرقام.
ومع استمرار الاقتصاد في حالة تقلب، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيظل الذهب شاهدًا على أزمة مؤقتة، أم أن غلاءه بات عنوانًا دائمًا لمرحلة تتقلص فيها أحلام الاستقرار، ويصبح الزواج ذاته قرارًا اقتصاديًا محفوفًا بالمخاطر؟

