في تصريح لافت، أعلن وزير الزراعة بحكومة الانقلاب علاء فاروق أن عدد الكلاب الضالة في مصر ارتفع بعد ثورة 25 يناير 2011 ليصل إلى ما بين 8 و14 مليون كلب، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على معالجة المشكلة بالتنسيق مع وزارات وهيئات أخرى، ووفق “المعايير الدولية”.
ورغم أن القضية في ظاهرها بيئية وصحية، فإن دلالاتها السياسية أعمق بكثير، إذ تندرج ضمن نمط متكرر اعتمدته السلطة في مصر منذ سنوات، يقوم على تحميل الثورة مسؤولية كل الظواهر السلبية التي تلتها، من أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية، وصولًا إلى انتشار الكلاب الضالة.
فبدل التعامل مع المشكلات باعتبارها نتاجًا لتراكمات طويلة من السياسات العامة، أو نتيجة لإخفاقات إدارية وهيكلية، يجري اختزال المشهد في سردية واحدة: “ما بعد الثورة”، وكأن 25 يناير تحولت من حدث سياسي إلى سبب كوني لكل خلل لاحق.
الثورة شماعة للأزمة الاقتصادية
منذ عام 2011، ربط الخطاب الرسمي والإعلامي المقرّب من السلطة بين الثورة وبين تراجع معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم وزيادة عجز الموازنة. وغالبًا ما قُدّمت هذه المؤشرات باعتبارها نتائج مباشرة “للفوضى التي خلقتها الثورة”، دون التوقف عند طبيعة السياسات الاقتصادية أو نمط إدارة الموارد.
ويؤكد الدكتور عمرو الجندي، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة القاهرة، أن هذا التفسير يتجاهل السياق الأوسع للأزمة، قائلًا:
“تحميل الثورة كل السلبيات الاقتصادية هو أسلوب سياسي واضح، يُستخدم لصرف الانتباه عن السياسات الاقتصادية المتبعة بعد 2011، وإلقاء اللوم على الحراك الشعبي بدلًا من مراجعة القرارات المالية والنقدية.”
ويضيف الجندي أن الأزمات الاقتصادية في مصر لا يمكن فهمها بمعزل عن سياسات ما قبل الثورة، ثم اختيارات ما بعدها، معتبرًا أن ربط كل تدهور اقتصادي بالثورة وحدها “تبسيط مخل يخدم سردية سياسية أكثر مما يشرح واقعًا اقتصاديًا معقدًا”.
الفوضى الاجتماعية والأمنية… سردية جاهزة
على الصعيد الاجتماعي والأمني، سلك النظام المسار ذاته. فمع ارتفاع معدلات الجريمة في فترات معينة، أو تفاقم أزمات المرور، أو ظهور مشكلات في الإدارة المحلية، جرى توصيف هذه الظواهر بوصفها امتدادًا “لفوضى ما بعد الثورة”.
وفي هذا السياق، أُعيد طرح قضايا اجتماعية قديمة، مثل انتشار الكلاب الضالة، باعتبارها ظواهر جديدة تفجّرت بعد 2011، رغم أن وجودها في المدن والقرى المصرية يعود إلى عقود طويلة.
ويرى الدكتور سامي عبد الغني، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن هذا الخطاب ليس عفويًا، بل منظم، موضحًا:
“هناك استراتيجية خطابية واضحة تربط كل المشكلات الاجتماعية والأمنية بالثورة، وكأنها السبب الوحيد في أي خلل، بما في ذلك ظواهر لا علاقة لها بطبيعة النظام السياسي مثل الكلاب الضالة أو الفوضى المرورية.”
ويضيف أن هذه المقاربة تهدف إلى نزع الشرعية الرمزية عن الثورة نفسها، عبر ربطها ذهنيًا لدى الجمهور بكل ما هو سلبي أو مزعج في الحياة اليومية.
الكلاب الضالة… من مشكلة مزمنة إلى رمز سياسي
تحولت قضية الكلاب الضالة إلى مثال صارخ على هذا النمط من الخطاب. فبينما تشير تصريحات رسمية إلى أن أعدادها تتراوح بين 8 و14 مليون كلب، فإن المشكلة ليست وليدة الثورة، بل نتاج غياب سياسات مستدامة لإدارة الحيوانات الضالة، وضعف التنسيق بين المحليات، وغياب برامج التعقيم والرعاية.
ويعلّق خالد النجار، باحث في قضايا الصحة العامة، قائلًا:
“مشكلات مثل انتشار الكلاب الضالة موجودة منذ عقود، لكنها لم تُطرح يومًا بهذا الزخم الرمزي إلا بعد الثورة. الإشارة إليها باعتبارها نتاجًا مباشرًا ليناير تعكس رغبة في تقديم الثورة كسبب شامل لكل الإخفاقات.”
ويضيف النجار أن التعامل مع القضية بوصفها ملفًا سياسيًا، لا صحيًا أو بيئيًا، يُعقّد الحلول بدل أن يقرّبها، لأن التركيز ينصرف إلى تحميل المسؤولية بدل وضع سياسات وقائية فعالة.
نمط متكرر: الثورة كبش فداء دائم
من الاقتصاد إلى الأمن، ومن المرور إلى الكلاب الضالة، يتكرر النمط نفسه:
- تصوير الثورة باعتبارها سبب الفوضى الاقتصادية
- تحميلها مسؤولية الظواهر الاجتماعية غير المرغوب فيها
- ربط أي أزمة سياسية أو أمنية مباشرة بـ”عدم الاستقرار بعد 2011”
وبهذا المنطق، تتحول الثورة إلى كبش فداء رسمي، تُعلّق عليه كل الإخفاقات، بينما تُعفى السياسات والقرارات اللاحقة من أي مراجعة جادة.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يخدم هدفًا مزدوجًا:
الأول، تبرير السياسات الحالية بوصفها “تصحيحًا لمسار فوضوي”.
والثاني، نزع أي قيمة رمزية أو تاريخية عن ثورة يناير عبر ربطها ذهنيًا بالمشكلات اليومية للمواطنين.
ما وراء الخطاب
في المحصلة، لا تكمن خطورة هذا النهج في تشويه حدث تاريخي فحسب، بل في إغلاق باب المحاسبة والمراجعة. فحين تصبح الثورة مسؤولة عن كل شيء، لا يعود هناك مجال لمساءلة السياسات العامة أو تقييم الأداء الحكومي.
قضية الكلاب الضالة، مثلها مثل غيرها، تكشف كيف يمكن لملف خدمي أو صحي أن يتحول إلى أداة سياسية، تُستخدم لإعادة إنتاج سردية واحدة: كل ما بعد الثورة خطأ، وكل ما قبلها أو بعدها تحت السلطة الحالية صواب.
وهي سردية قد تخدم الخطاب الرسمي، لكنها لا تحل مشكلة… لا للكلاب الضالة، ولا للاقتصاد، ولا للمجتمع.

