أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشعال جدل دولي واسع بعد تصريحات رسمية من البيت الأبيض تؤكد أن ضم جرينلاند يمثل “أولوية للأمن القومي الأمريكي”، مع عدم استبعاد استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك.
هذه التصريحات، التي قوبلت برفض أوروبي قاطع وتأكيد أن جرينلاند “ملك لشعبها”، كشفت عن تصدع غير مسبوق داخل المعسكر الغربي، وأعادت إلى الواجهة مفردات كان يُعتقد أنها دُفنت مع نهاية الحرب العالمية الثانية: الاستيلاء بالقوة، وإعادة رسم الخرائط تحت ذريعة الأمن القومي. فما الذي يجعل جزيرة قطبية شبه مستقلة تتحول إلى محور صراع عالمي؟ ولماذا الآن؟
حسابات واشنطن.. الأمن القومي أم إعادة إنتاج الهيمنة؟
ترى إدارة ترامب أن جرينلاند ليست مجرد جزيرة نائية، بل عقدة استراتيجية في قلب القطب الشمالي، تقع بين الولايات المتحدة وروسيا، وتزداد أهميتها مع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، ما يفتح طرقًا بحرية جديدة ويكشف عن ثروات معدنية هائلة.
وفق المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، فإن ضم جرينلاند ضروري “لردع الخصوم” في القطب الشمالي، في إشارة واضحة إلى روسيا والصين. هذا المنطق يعكس رؤية أمنية توسعية، تعتبر أن السيطرة المباشرة—وليس فقط النفوذ—هي الضمان الحقيقي للأمن.
لكن المفارقة أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل قاعدة عسكرية في جرينلاند منذ عقود، وتشارك في ترتيبات أمنية مع الدنمارك. ما يعني أن الدافع يتجاوز الأمن العسكري التقليدي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية: وضع اليد على الأرض نفسها، لا الاكتفاء بالشراكات.
هذا الخطاب، الذي أكد فيه ترامب أن بلاده “ستحصل على جرينلاند بطريقة أو بأخرى”، أعاد للأذهان منطق “المصالح الحيوية” الذي استخدمته قوى استعمارية سابقة لتبرير التوسع بالقوة.
الرد الأوروبي.. سيادة مهددة وتصدع داخل الناتو
قوبلت تصريحات واشنطن برد فعل أوروبي غير مسبوق في حدته. فقد أصدر قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى بيانًا مشتركًا مع رئيسة وزراء الدنمارك، شددوا فيه على أن “جرينلاند ملك لشعبها”، وأن القرار بشأنها يعود حصريًا إلى جرينلاند والدنمارك.
هذا البيان لم يكن مجرد دفاع عن حليف صغير، بل دفاع عن مبدأ السيادة الذي يقوم عليه النظام الدولي الحديث.
الأخطر أن الخلاف يمس جوهر حلف شمال الأطلسي. فجرينلاند جزء من منظومة أمن الناتو، وأي تهديد أمريكي باستخدام القوة ضد إقليم تابع لدولة عضو يطرح سؤالًا وجوديًا: ماذا يبقى من الحلف إذا هاجم أحد أعضائه الآخر؟
رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن ذهبت إلى أبعد من ذلك حين حذرت من أن أي هجوم أمريكي سيعني “نهاية الأمن ما بعد الحرب العالمية الثانية”.
في هذا السياق، أعلنت حكومة جرينلاند طلب اجتماع عاجل مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بحضور مسؤولين دنماركيين، لتفنيد “مزاعم” واشنطن بشأن النفوذ الصيني والروسي في الجزيرة. وأكد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن أن الصورة التي يرسمها ترامب “غير دقيقة”، ولا تستند إلى واقع استثمارات أو انتشار عسكري صيني.
جرينلاند نفسها.. شعب يرفض والغرب يتردد
في خضم هذا الصراع، يبقى موقف جرينلاند واضحًا: الرفض القاطع للانضمام إلى الولايات المتحدة. فالإقليم، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 56 ألف نسمة، يتمتع بحكم ذاتي واسع، ويعتبر أي حديث عن ضمه مساسًا بحق تقرير المصير.
هذا الرفض لا يقتصر على سكان الجزيرة، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث أظهر استطلاع رأي أن 7% فقط من الأمريكيين يؤيدون ضم جرينلاند بالقوة.
مع ذلك، يصر بعض مستشاري ترامب، مثل ستيفن ميلر، على التقليل من شأن هذه الاعتراضات، معتبرين أن الدنمارك “لا تملك حقًا تاريخيًا” في المنطقة، وأن التدخل العسكري لن يواجه مقاومة حقيقية. هذا الخطاب يعكس استخفافًا واضحًا بالقانون الدولي، وبفكرة أن الشعوب—لا القوى الكبرى—هي صاحبة القرار في مصير أراضيها.
ختاما فما يجري حول جرينلاند ليس نزاعًا جغرافيًا عابرًا، بل اختبار خطير للنظام الدولي نفسه. فإما أن تبقى السيادة وحق تقرير المصير خطوطًا حمراء، أو يتحول العالم إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الاستعمار تحت لافتة “الأمن القومي”.
إصرار ترامب على ضم جرينلاند، ورفض أوروبا القاطع، يضعان الغرب أمام لحظة مفصلية: هل يستطيع الدفاع عن القيم التي طالما رفعها، أم أن منطق القوة سيبتلع القانون؟
جرينلاند اليوم ليست جزيرة بعيدة في القطب الشمالي، بل مرآة تعكس مستقبل النظام العالمي… إما قائمًا على القواعد، أو منحدرًا نحو شريعة الغاب.

