قالت ريبيكا مولوجيتا، الباحثة في مجلة "هورن ريفيو" الإثيوبية، إن اتفاقية التعاون التي وقعها نائب رئيس الوزراء، كامل الوزير في جيبوتي، لتطوير الموانئ والطاقة الشمسية والخدمات اللوجستية تمنح مصر موطئ قدم استراتيجي على حدود إثيوبيا، مما يُعزز استراتيجية مصر لاحتواء الدولة غير الساحلية، وسط تصاعد النزاع على مياه النيل بسبب سد النهضة.
ووصفت الاتفاقية التي جاءت بعد أيام من زيارة رئيس المخابرات الإثيوبية، رضوان حسين إلى جيبوتي، بأنها تمثّل "خيانةً سافرة"، لكون الزيارة كانت تسعى إلى الحصول على ضمانات بشأن تطويرات الميناء هذه، لكنها أشارت إلى أنه وبدلًا من التطمينات، فتحت جيبوتي أبوابها على مصر.
وأوضحت أن جيبوتي يعتمد اقتصادها كليًا على إثيوبيا، حيث تأتي 90 في المائة من حركة موانئها من الواردات الإثيوبية، تحقق أكثر من مليار دولار سنويًا كرسوم تُشكّل نصف ناتجها المحلي الإجمالي، فضلاً عن استيراد 80 بالمائة من كهربائها من الشبكات الإثيوبية، علاوة على معظم اللحوم ومواد البناء من الجانب الآخر من الحدود، والمياه العذبة.
مع ذلك، قالت الباحثة الإثيوبية إنه عندما تواجه إثيوبيا تهديدات وجودية من معارضة مصر لسد النهضة، تختار جيبوتي أحضان القاهرة، مُقدّمةً ساحلها في مزاد علني للقوة التي تُحاصر جارتها.
ورأت أن مصر نجحت في تفعيل تطويق استراتيجي لإثيوبيا، مستغلةً البنية اللوجستية للمنطقة كسلاح، لتحويل هشاشة إثيوبيا كدولة حبيسة إلى حالة احتواء دائم، فمن خلال دمج وجودها في منطقتي دوراله وبي كي 23 في جيبوتي، بالتزامن مع عمليات تطوير البنية التحتية في عصب الإريترية، أنشأت مصر كماشة بحرية، تاركةً مراكز تحت سيطرتها على بُعد كيلومترات من المراكز الاقتصادية الحيوية في جيجيغا ودير داوا.
وذكرت أن هذا الوجود لا يقتصر على التجارة فحسب، بل يمتد ليشمل استخدام الطاقة الشمسية خارج الشبكة في دوراله، كمصدر طاقة لقدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المستمرة، لرصد تحركات القوات الإثيوبية وإمداداتها اللوجستية لحظة بلحظة.
واعتبرت أن الأهم من ذلك، أن نفوذ القاهرة على هذه الممرات العابرة يسمح بتنفيذ حرب اقتصادية غير متكافئة، حيث يمكن استغلال "المراجعات الأمنية" كنقاط اختناق متعمدة لعرقلة استيراد المعدات الحيوية، ما يُعيق فعليًا سيادة إثيوبيا التنموية كلما تعثرت مفاوضات النيل.
ولفتت إلى أن تقرير صحيفة "ذا ناشيونال" عن "صفقة الأسد" التي تمنح مصر حقوقًا مطلقة في اتخاذ قواعد عسكرية اكتسب مصداقية مثيرة للقلق بعد توقيعها. إذ بات بإمكان مشاة البحرية المصرية التسلل تحت غطاء تجاري.
كما اكتسب الجيش المصري، الذي يبلغ قوامه 1.3 مليون جندي، وبحريته الحديثة، المدعومة بحاملات الطائرات الفرنسية "ميسترال"، قدرات منع لوجستي متقدمة، وهي أدوات حرب هجينة تحاكي استراتيجية ميناء حيفا الإسرائيلية، ولكن معكوسة ضد ملء سد النهضة، وفق قولها.
وأوضحت أن "عقيدة منع الإمداد اللوجستي" هذه تُهيئ لعمليات خنق متزامنة عبر ميناءين: حيث توقف جيبوتي وإريتريا 90 بالمائة من واردات إثيوبيا خلال الأزمات، محصنتين ضد أي رد فعل انتقامي من الشبكة بفضل أنظمة الطاقة الشمسية الاحتياطية. وبذلك، يصبح جمع المعلومات الاستخباراتية أمرًا في غاية السهولة من قواعد قريبة جدًا.
حرب بالوكالة
واتهمت الباحثة، جيبوتي بأنها تسلك مسارًا يشير إلى تحولها من مورد استراتيجي إلى ساحة حرب بالوكالة مكتظة، حيث يؤدي التواجد العسكري الأجنبي المكثف إلى احتكاكات حتمية.
وقالت إن هذه الدولة باعت سيادتها فعليًا لسبع قوى عظمى، مما خلق ممرًا عسكرياً كثيفاً لـ 10 بالمائة من التجارة العالمية.
ورأت أن وجود سفن البحرية الصينية في دوراليه، إلى جانب أصول مكافحة الإرهاب الأمريكية في معسكر ليمونييه، وفرق العمل الفرنسية واليابانية والإيطالية، يخلق جوًا متوترًا يتنافى مع منطق التنويع الاستراتيجي.
وذكرت أنّ خطوة القاهرة الأخيرة لتأمين أرصفة مخصصة ونشر وحدات نخبة تزيد من ازدحام هذه المنطقة، إذ تُدخل آلاف الجنود المصريين في نطاق اختصاص أصغر من مدينة متوسطة الحجم.
واعتبرت أن هذا التركيز للقوة يُعدّ رد فعل متزايدًا بدلًا من كونه استراتيجيًا؛ فالنزاعات التاريخية، مثل نزاع موانئ دبي العالمية عام 2018 الذي أجبر إثيوبيا على التحوّل إلى بربرة، تُبيّن كيف تتحوّل الاحتكاكات التجارية بسرعة إلى إعادة تنظيم جيوسياسي.
بؤرة توتر
وقالت الباحثة إنه مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، وتداخل التنافس بين مصر والإمارات مع أزمة الحوثيين في اليمن، تُصبح جيبوتي مُعرّضة لخطر أن تُصبح بؤرة توتر، حيث يُمكن لأي خطأ محلي أن يُؤدّي إلى انهيار شامل للشريان التجاري الرئيس في المنطقة.
وفقًا للباحثة الإثيوبية، فإن تحول جيبوتي من شريك استراتيجي إلى ساحة صراع بالوكالة مكتظة يمثل خطرًا جسيمًا على السيادة الاقتصادية لإثيوبيا، إذ يُهدد التواجد العسكري الأجنبي المكثف، الذي تجلى في استحواذ القاهرة مؤخرًا على أرصفة بحرية مخصصة ونشر قوات النخبة، بتحويل الممر التجاري إلى بؤرة توتر للصراع المتعلق بالنيل.
الضغط الجيوسياسي
ومن وجهة نظرها، فإن هذا الضغط الجيوسياسي، الذي تعززه مصر بتطويرها للبنية التحتية في دوراله وعصب الإريترية يستغل "المراجعات الأمنية" والمراقبة الاستخباراتية المستمرة لتسليح اعتماد إثيوبيا على النقل.
وأشارت الباحثة إلى أنه يتعين على أديس أبابا الرد برفع قبضتها الهيكلية من خلال إضفاء الطابع الرسمي على علاقاتها مع جيبوتي وقطاع الكهرباء، وربما ربطها ببعض الشروط.
لافتة إلى أن جيبوتي تستهلك كميات هائلة من الطاقة من إثيوبيا، بينما تُحوّل بقوة حجم الطاقة والتجارة المُستمدة من سد النهضة نحو ممرات بربرة وLAPSSET لفك الحصار الذي تقوده مصر.
مع ذلك، رأت أنه وبينما تسعى القاهرة إلى تفعيل حصارها عبر مراكز لوجستية وبنية تحتية للمراقبة في دوراليه، تستغل إثيوبيا هيمنتها في مجال الطاقة، المدفوعة بسد النهضة، ونفوذها القاري لتنفيذ تنويع بحري جريء نحو ممرات أكثر مرونة.
وأوضحت أنه من خلال الانتقال مما أسمته سياسة "الإيمان الأعمى" إلى سياسة واقعية جيوسياسية راسخة، تُهيئ إثيوبيا نفسها للصمود أمام هذا الحصار الذي تقوده مصر، وقد تُخاطر جيبوتي بتحويل موانئها المزدحمة إلى مسرح لانهيار نظامي.
https://hornreview.org/2026/01/03/djiboutis-ports-strategic-alignments-and-emerging-regional-fissures/

