حذر المفكر والكاتب عمار علي حسن من أن الاستبداد الذي يمارسه نظام السيسي لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل بات يمثل تهديداً وجودياً للدولة المصرية نفسها. في تحليل نادر الصراحة، أكد حسن أن استمرار القمع وتجاهل الإرادة الشعبية يحول مصر إلى كيان هش لا يقوى على مواجهة الأزمات، ويفتح الباب أمام انهيار مؤسساتي شامل قد لا يُرحم.
يقول عمار علي حسن إن الاستبداد يعوق إدارة الاختلاف ويمنع تسوية الخلافات بالوسائل السلمية، ما يؤدي إلى تصاعد الاحتقان الاجتماعي إلى أقصاه. في مصر اليوم، لا يوجد مجال للاختلاف أصلاً. فالبرلمان موالٍ بالكامل، والأحزاب السياسية تحولت إلى ديكورات بلا وزن، والإعلام بات أداة بروباجندا رسمية. عندما تُغلق كل منافذ التعبير السلمي، لا يختفي الغضب، بل يتراكم تحت الرماد حتى يتحول إلى بركان.
لا يوجد ما هو أخطر على استقرار دولة وتقدمها من الاستبداد، فهو يعوق إدارة الاختلاف، وتسوية الخلاف سلما وطواعية، فيجعل الاحتقان الاجتماعي علي أشده، فإن تعرض المجتمع لمشكلة ظاهرة، أو أزمة طارئة اضطرب وهاج وماج، فتهتز معه أركان الدولة.. وهو أيضا يسمح بنمو الفساد على جنباته، وفي…
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) January 2, 2026
المجتمع المصري، الذي عاش عقوداً تحت وطأة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات، أصبح أكثر هشاشة أمام أي أزمة. فالشعب لا يثق في مؤسسات الدولة، ولا يعتقد أن لصوته قيمة، ولا يرى في الحكومة إلا آلة قمعية بعيدة عن همومه. هذه الهشاشة الاجتماعية هي نتيجة مباشرة لسياسات الانغلاق السياسي، حيث يُعتقل كل من يعبر عن رأي مخالف، ويُفصل كل موظف يُشتبه في معارضته، ويُهمل كل طلب للإصلاح.
الفساد كآفة مزمنة في عظام الدولة
يؤكد حسن أن الاستبداد يهيئ بيئة خصبة لنمو الفساد على هامش الدولة وفي قلب مؤسساتها، ويوفر له الحماية حتى يتحول إلى آفة تنخر في عظام الدولة. في مصر، لم يعد الفساد ظاهرة جانبية، بل أصبح النظام نفسه. فالعقود الضخمة تُمنح دون مناقصات، والأراضي تُخصص لكبار المقربين، والموازنة العامة تُهدر على مشروعات استعراضية بلا جدوى اقتصادية.
الفرق بين الفساد في الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية هو أن الأولى تكشف الفاسدين وتُحاسبهم، بينما الثانية تحميهم وتُكرّمهم. ففي مصر، لا يُسأل مسؤول عن ثروة طائلة اكتسبها بين ليلة وضحاها، ولا يُحقق مع وزير يتورط في فضيحة مالية، بل يُعاد تدويره في منصب أعلى. هذا الحماية الممنوحة للفساد جعلته يتغلغل في كل مفاصل الدولة، من القضاء إلى الجيش إلى الإدارة المحلية.
النتيجة هي دولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، بينما يتكدس المال العام في جيوب النخبة الحاكمة. فالمدارس تنهار، والمستشفيات تفتقر لأبسط المستلزمات، والبنية التحتية تتداعى، لكن الميزانية تُنفق على بناء عاصمة إدارية جديدة لا يحتاجها أحد إلا الحاكم وأتباعه.
تهديد الوجود: عندما يصبح الإصلاح مستحيلاً
الجزء الأخطر في تحليل عمار علي حسن هو تأكيده أن إطالة أمد الاستبداد وتجاوز حدوده الطبيعية لا يهددان الأداء العام للدولة فحسب، بل قد يصل الخطر إلى تهديد وجودها ذاته. فالدولة المصرية اليوم تواجه أزمات متفاقمة لا يمكن حلها بأوامر عسكرية أو بيانات رسمية. الأزمة الاقتصادية تتفاقم، الديون الخارجية تتضاعف، والموارد الطبيعية تُستنزف، بينما يُصر النظام على سياساته الفاشلة.
المشكلة أن الاستبداد يجعل الإصلاح الحقيقي مستحيلاً. فأي إصلاح يتطلب اعترافاً بالأخطاء، ومراجعة للسياسات، وتغييراً في النهج. لكن النظام المصري لا يعترف بخطأ، ولا يسمح بأي نقد، ويعتبر كل دعوة للإصلاح "مؤامرة" أو "إرهاباً". هذا الانغلاق يعني أن الأزمات ستستمر في التفاقم حتى تصل إلى نقطة اللاعودة.
عندما تنهار قدرة الدولة على تقديم الخدمات، ويفقد المواطنون الثقة تماماً في مؤسساتها، ويتفشى الفساد حتى يصبح هو القاعدة، فإن الدولة تتحول إلى قشرة فارغة. القشرة قد تستمر في الوجود لفترة، لكنها عاجزة عن مواجهة أي تحدٍ حقيقي، سواء كان اقتصادياً أو اجتماعياً أو أمنياً.
الاستبداد يقتل الدولة من الداخل
لا يُنذر عمار علي حسن بسيناريو كارثي بعيد، بل يصف واقعاً يجري الآن. مصر تحت حكم السيسي لم تعد دولة قادرة على الصمود، بل أصبحت دولة هشة تعتمد على القمع والرشوة والخوف. الاستبداد لم يقتل الديمقراطية فحسب، بل يقتل الكفاءة، والعدالة، والتنمية، والمستقبل نفسه.
إذا لم يتم تدارك الأمر بإصلاحات حقيقية تعيد التوازن بين السلطة والمجتمع، فإن مصر قد تدخل مرحلة من الانهيار المؤسسي لا يمكن التنبؤ بنتائجه. لكن النظام يبدو غير مكترث، مُصراً على مواصلة سياساته حتى النهاية، وكأنه يريد إثبات صحة تحذيرات حسن بالطريقة الأصعب.

