في تطور لافت يكشف عمق التصدعات داخل محور الخليج، شكّلت الغارة الجوية السعودية التي استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات في ميناء المكلا اليمني يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 أخطر تصعيد حتى الآن بين الرياض وأبوظبي. وبعد أن كانتا ركيزتين توأمين للأمن الإقليمي منذ ثورات الربيع العربي، وشريكتين في حروب اليمن وليبيا وحصار قطر، شهدت القوتان الخليجيتان تباعدًا تدريجيًا في المصالح شمل كل شيء، من حصص إنتاج النفط إلى النفوذ الجيوسياسي، وصولًا إلى المواجهة المباشرة.
الخلاف الحالي لا يبدو مرشحًا لتكرار أزمة قطر عام 2017، لكنه يهدد بتعطيل التوافق داخل "أوبك+" ويضع المنطقة أمام اختبار جديد لاستقرارها. الأزمة اليمنية لم تكشف فقط عن صراع نفوذ، بل عن هشاشة التحالف السعودي الإماراتي الذي طالما اعتُبر ركيزة لا تهتز في الخليج، وهي الهشاشة التي بدأت تتضح معالمها منذ سنوات، لتنفجر أخيرًا في سماء المكلا.
الغارة المفاجئة: عندما يقصف الحلفاء بعضهم
الغارة الجوية على ميناء المكلا مطلع الأسبوع، ودعوات سعودية لمغادرة القوات الإماراتية اليمن، أظهرت أن الخلافات بين القوتين النفطيتين تجاوزت حدود التنسيق العسكري إلى مواجهة مباشرة. قال التحالف السعودي إن السفينة المستهدفة كانت تنقل أسلحة ثقيلة إلى الانفصاليين الجنوبيين المدعومين إماراتيًا، في أول اشتباك علني مباشر بين مصالح الشريكين السابقين.
الإمارات أعلنت على الفور انسحاب ما تبقى من قواتها حرصًا على سلامتها، مؤكدة أنها فوجئت بالضربة ولم تتلق أي تحذير مسبق. فيما شددت السعودية على أن أمنها القومي "خط أحمر" لا يمكن المساومة عليه، وأن سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على حقول النفط في حضرموت في 8 ديسمبر 2025 كان بمثابة تجاوز صريح لهذا الخط.
نقلت وكالة "رويترز" عن مصدر خليجي قوله إن مسؤولي الإمارات شعروا بالغضب بعدما تلقوا "معلومات مضللة" مفادها أنه خلال اجتماع نوفمبر 2025 بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، لم يطلب ولي العهد السعودي فرض مزيد من العقوبات على قوات الدعم السريع في السودان فحسب، بل طالب أيضًا بعقوبات مباشرة أكبر على الإمارات بسبب ما قيل عن دعمها للقوات شبه العسكرية. هذا الانطباع الخاطئ، وفق المصدر، أدى مباشرة إلى التصعيد في اليمن.
جذور الأزمة: من الوحدة إلى التنافس الشرس
المواجهات الأخيرة في اليمن كشفت عن عمق انعدام الثقة بين السعودية والإمارات، رغم تحالفهما الطويل في ملفات إقليمية. لكن جذور هذا الخلاف تعود لسنوات من الانقسامات المتراكمة. منذ 2019، خفّضت الإمارات وجودها العسكري في اليمن، محوّلةً استراتيجيتها مع الحفاظ على نفوذها عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، ما ترك الرياض تتحمّل العبء الأكبر للحرب ضد الحوثيين دون تنسيق كامل.
في سبتمبر 2020، طبّعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل بموجب "اتفاقيات أبراهام" برعاية أمريكية، بينما امتنعت السعودية عن الخطوة نفسها، مشترطةً قيام دولة فلسطينية أولًا، وهو ما منح أبوظبي قناة دبلوماسية فريدة إلى واشنطن وتل أبيب. ثم في يناير 2021، قادت السعودية قمة العلا لإنهاء الخلاف مع قطر، بينما وقّعت الإمارات على الاتفاق على مضض، محتفظةً بموقف أكثر برودًا تجاه الدوحة.
التنافس الاقتصادي شكّل بعدًا آخر للصراع. في فبراير 2021، تحدّت الرياض الهيمنة التجارية لدبي، مطالِبة الشركات الأجنبية بنقل مقارّها الإقليمية إلى المملكة بحلول 2024 أو خسارة العقود الحكومية. وفي يوليو من العام نفسه، ألغت الرياض امتيازات جمركية لسلع قادمة من المناطق الحرة الإماراتية، ما قوّض نموذج التجارة الإماراتي. وبالتوازي، اندلع خلاف نادر داخل "أوبك+" حين عطّلت الإمارات صفقة قادتها السعودية، مطالِبةً برفع خط الأساس لإنتاج النفط الخام.
هل ينهار التحالف؟ قراءات متباينة
المحلل نيل كويليام من "تشاتام هاوس" يرى أن العلاقات بين الدولتين لم تكن يومًا سهلة، لكن الاحتكاك بلغ مستويات غير مسبوقة. التصعيد الحالي يعكس تحولًا استراتيجيًا في رؤية كل دولة لمصالحها، حيث لم تعد الأولويات السعودية والإماراتية متطابقة كما كانت عام 2015 عند إطلاق الحملة العسكرية في اليمن.
مع ذلك، يشير الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله إلى أن الخلافات رغم حدتها لا تعني انهيار التحالف بالضرورة، فالحلفاء قد يتصادمون لكنهم في النهاية يرممون خلافاتهم، خاصة في منطقة تواجه تهديدات إيرانية مشتركة. وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش شدد بدوره على أهمية الحوار والحلول السياسية للحفاظ على الصداقات في مرحلة حرجة تمر بها المنطقة.
الأزمة الحالية تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التعاون الخليجي ومدى قدرة دول المنطقة على تجاوز خلافاتها. فإذا كان الحليفان الأقوى في الخليج عاجزين عن إدارة خلافاتهما، فما مصير المنظومة الإقليمية برمتها؟

