في شهادة صادمة ومثيرة للجدل، خرجت سيدة مصرية مقيمة في المملكة العربية السعودية عن صمتها لتكشف المستور عما وصفته بـ"عصابات منظمة" يديرها بعض أبناء جلدتها داخل الشركات والمؤسسات السعودية.
الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم لم يكن مجرد شكوى عابرة، بل وثيقة إدانة كشفت عن "شبكة عنكبوتية" من المصالح والعمولات التي ينسجها بعض المديرين والموظفين المصريين، محولين مواقع عملهم إلى "إقطاعيات خاصة" تُدار بمنطق "الشللية" و"السمسرة"، على حساب مصلحة العمل، وحقوق زملائهم، وحتى سمعة الجالية المصرية التي باتت مهددة بسبب ممارسات قلة أدمنت الفهلوة والفساد.
حديث السيدة الجريء فتح "صندوق باندورا" المسكوت عنه، مسلطاً الضوء على ظاهرة "تكتلات الموظفين" التي تحارب الكفاءات، سواء كانت سعودية أو مصرية شريفة، وتغلق الأبواب أمام أي صوت يحاول الإصلاح، في مشهد يعيد للأذهان أمراض البيروقراطية والفساد الإداري التي عانت منها مصر لسنوات، ونُقلت مع الأسف عبر الحدود لتضرب سوق العمل في المملكة.
"عصابات العمولات": توظيف المعارف لتقاسم "التورطة"
وفقاً لرواية السيدة، التي تحدثت بمرارة العارف ببواطن الأمور، فإن الآلية التي تعمل بها هذه "العصابات" تبدأ بسيطرة مدير مصري على موقع قيادي في الشركة. وبدلاً من أن يكون واجهة مشرفة، يبدأ في "تطهير" القسم من أي عنصر غريب، ويستبدله بمعارفه وأصدقائه أو أشخاص يدينون له بالولاء المطلق. والهدف ليس الكفاءة، بل تكوين "شبكة أمان" تضمن تمرير الصفقات المشبوهة، والتلاعب في الفواتير، وتقاسم "النسب" والعمولات من الموردين والمقاولين، بعيداً عن أعين أصحاب العمل السعوديين الذين يثقون فيهم.
هذه "المافيا الإدارية" لا تكتفي بالفساد المالي، بل تمارس "إرهاباً وظيفياً" ضد أي موظف يرفض الانخراط في منظومتها. فالمصري "السالك" أو الشريف يجد نفسه محاصراً ومتهماً بالتقصير، وقد يتم تلفيق تهم له لطرده، ليبقى الجو خالياً للعصابة لتعيث فساداً.
"تطفيش ابن البلد": عندما يصبح السعودي غريباً في شركته
النقطة الأخطر التي أثارتها السيدة هي استهداف هذه التكتلات للموظف السعودي نفسه. فـ"ابن البلد"، كما وصفته، يصبح عقبة أمام هذه الشبكات لأنه قد يكشف ألاعيبهم أو يرفض التستر عليهم. لذا، يتم استخدام كل الحيل الإدارية "الخبيثة" لتطفيشه، بدءاً من تهميشه وحجب المعلومات عنه، وصولاً إلى إفشاله متعمداً أمام الإدارة العليا لإثبات عدم كفاءته.
هذه الممارسات لا تضر فقط ببيئة العمل، بل تضرب في الصميم جهود المملكة لتوطين الوظائف (السعودة)، وتخلق حالة من الاحتقان المكتوم. فصاحب العمل السعودي قد يجد نفسه محاطاً بـ"لوبي" يقنعه بأن البديل المحلي غير كفء، بينما الحقيقة هي أن هذا اللوبي يدافع عن مصالحه الخاصة وعمولاته التي ستنقطع إذا تولى سعودي زمام الأمور بشفافية.
تشويه السمعة: "القلة الفاسدة" تضرب الجميع
رغم أن السيدة أكدت أنها تتحدث عن "فئة معينة" وليس التعميم، إلا أن صرختها جاءت خوفاً على سمعة ملايين المصريين الشرفاء الذين بنوا المملكة بعرقهم وعلمهم. فهذه "العصابات" بسلوكها الانتهازي تقدم أسوأ صورة ممكنة عن العامل المصري، وتجعله في نظر البعض مجرد "فهلوى" يبحث عن القرش الحرام، مما قد يدفع أرباب العمل في المستقبل لتجنب توظيف المصريين كلياً.
إن جرأة هذه السيدة في فضح "أبناء جلدتها" تستحق التوقف، لأنها تكشف عن وعي بأن "التستر على الفساد" بحجة الوطنية هو خيانة مزدوجة: خيانة للأمانة، وخيانة لسمعة الوطن. وما كشفته هو جرس إنذار يستدعي تدخلاً حازماً، سواء من السلطات السعودية لتفكيك هذه التكتلات، أو من الجالية المصرية نفسها لنبذ هؤلاء الفاسدين الذين يتاجرون بمستقبل الجميع مقابل "عمولة".

