في تطور ميداني يفضح حجم "الخديعة الكبرى" التي تعرض لها الشعب المصري، كشفت أحدث صور الأقمار الصناعية عن حقيقة مدوية وصادمة: سد النهضة الإثيوبي، الذي سوّقه نظام أديس أبابا كقاطرة للتنمية، ليس سوى "كتلة خرسانية صامتة" عاجزة عن توليد الكهرباء حتى الآن. التوربينات متوقفة أو تعمل بكفاءة لا تُذكر، والمياه تتدفق عشوائياً عبر بوابات الطوارئ، لا لتضيء بيوت الإثيوبيين، بل لتتحول إلى "طوفان" يهدد السد العالي ويجبر النظام المصري على فتح مفيض توشكى لتصريف الفائض في الصحراء. هذا المشهد العبثي يضع نظام السيسي في قفص الاتهام، حيث يقف موقف "المتفرج العاجز" أمام عدو مائي يتلاعب بمصير 100 مليون مصري، مكتفياً بمراقبة الكارثة عبر الفضاء بدلاً من التصدي لها على الأرض.

 

سد "الخردة": فشل فني أم سلاح سياسي؟

 

ما كشفته الصور التي حللها خبراء مياه، وعلى رأسهم الدكتور عباس شراقي، ينسف السردية الإثيوبية من أساسها. فاستمرار تدفق 100 مليون متر مكعب يومياً عبر بوابات التصريف دون المرور بالتوربينات يعني أن السد فشل تقنياً في وظيفته المعلنة وهي توليد الكهرباء. إنه الآن مجرد "خزان عملاق" بسعة 74 مليار متر مكعب، وظيفته الوحيدة هي حجز المياه للتحكم السياسي، وخلق "محبس" استراتيجي يمكن لإثيوبيا غلقه أو فتحه حسب هوى حكامها، لتعطيش مصر أو إغراقها.

 

هذا الفشل في التشغيل الكهرومائي يثبت ما حذر منه خبراء وطنيون منذ سنوات: سد النهضة لم يُبنَ للتنمية، بل بُني لكسر إرادة الدولة المصرية. ورغم ذلك، وقع النظام على "اتفاقية المبادئ" الكارثية في 2015، مانحاً الشرعية لمشروع تحول اليوم إلى "خردة" تهدد الوجود المصري.

 

مفيض توشكى: عنوان "العجز" في إدارة الأزمة

 

أمام هذا التدفق العشوائي للمياه، لم يجد النظام المصري حلاً سوى فتح مفيض توشكى لتصريف 150 مليون متر مكعب يومياً، في إجراء اضطراري لحماية السد العالي من الانهيار أمام ضغط المياه الهائل. ورغم محاولات أبواق النظام تصوير الأمر كإنجاز هندسي، إلا أن الحقيقة المرة هي أن مصر "تغرق" في مياه لا تملك قرارها.

 

نحن أمام مفارقة مؤلمة: المياه التي كان يجب أن تُخزن في بحيرة ناصر كاحتياطي استراتيجي لسنوات الجفاف، يتم الآن التخلص منها في الصحراء لأن إثيوبيا قررت فجأة تفريغ سدها "الفاشل". القرار ليس في القاهرة، بل في أديس أبابا. اليوم يرسلون الطوفان لأن توربيناتهم معطلة، وغداً قد يغلقون المحبس تماماً لملء الخزان مرة أخرى، وفي الحالتين، يقف النظام المصري عاجزاً، ينتظر ما تجود به أو تمنعه الهضبة الإثيوبية.

 

تخبط إثيوبي.. وصمت مصري "مريب"

 

يؤكد وزير الري الأسبق، د. محمد نصر علام، أن الإدارة الإثيوبية للسد تتسم بـ"التخبط والخطأ"، حيث لجأت لتشغيل مفيض الطوارئ في توقيت غير منطقي، مما تسبب في أضرار للسودان وتهديد لمصر. هذا السلوك "غير المسؤول" من دولة المنبع يقابله صمت رسمي "مريب" من القاهرة. أين الرد الحاسم؟ أين الخطوط الحمراء التي رُسمت ثم مُحيت؟

 

إن اكتفاء النظام بـ"المراقبة والشكوى" بينما تتحول مياه النيل إلى "أداة ابتزاز" هو تفريط في الأمن القومي لا يسقط بالتقادم. فالسد بحجمه الحالي (74 مليار متر مكعب) هو "قنبلة مائية" موقوتة، وأي انهيار أو تشغيل خاطئ -كما يحدث الآن- يعني دماراً شاملاً لدولتي المصب.

 

الخلاصة: "توقيع" دفع ثمنه الشعب

 

ما يجري في توشكى اليوم هو النتيجة الطبيعية لسنوات من التخبط السياسي والتفريط في الحقوق التاريخية. لقد تحول سد النهضة من مشروع مزعوم للكهرباء إلى "أداة إذلال" و"فخ استراتيجي". المياه تهدر في الصحراء، والمستقبل مرهون بمزاج مشغل إثيوبي فاشل، والنظام في مصر مشغول بـ"اللقطة" والمشاريع الوهمية، تاركاً شريان الحياة في مهب الريح. إن التاريخ لن يرحم من وقع، ولن يغفر لمن صمت، بينما كان النيل يُسرق ويُحبس ويُهدر أمام أعين الجميع.