يقدّم الكاتب صالح سالم رؤية تفصيلية حول التطور الأخير في مشروع الضبعة النووي ويصف لحظة إنزال وعاء الضغط داخل مفاعل الوحدة الأولى باعتبارها علامة فارقة تُعيد إلى الواجهة ذاكرة المشاريع الروسية العملاقة في مصر. ينظر كثيرون إلى هذا التطور باعتباره وعداً بأمن طاقي طويل المدى، بينما يثير في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالعقوبات الغربية على موسكو، وتغيّر المناخ، وتعقيدات تخزين الوقود النووي المستهلك.

 

يعرض العربي الجديد خلفيات التعاون المصري الروسي، ويشير إلى أن هذه الخطوة النووية تُعيد إلى الأذهان ضخامة مشروع السد العالي، مع اختلاف السياق الدولي وتعقيداته الراهنة.

 

أمن الطاقة واستراتيجية الشراكة

 

يشير الخبر إلى متابعة رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عملية إنزال وعاء الضغط عبر رابط فيديو، حيث يقدّم الحدث فرصة لتعزيز السردية الرسمية حول تحقيق الاكتفاء الطاقي بحلول 2028. يوضح

 

عمرو الديب، مدير المركز الدولي للبحوث الجيوسياسية والاقتصادية، كيف يعمّق مشروع الضبعة شراكة استراتيجية ممتدة لعقود بين القاهرة وموسكو، ويرى أن موسكو تعتبر مصر شريكاً إقليمياً محورياً. يعرض التقرير أرقاماً تكشف حجم الأثر المتوقع: قدرة إجمالية تبلغ 4800 ميغاواط، وإنتاج 37 مليار كيلوواط-ساعة سنوياً، وتغطية 10% من الطلب المحلي، وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي الذي يعرّض مصر لتقلّبات سوق عالمية مرتبكة بالحروب والاضطرابات. يذكّر المقال بأن المفاعلات من طراز VVER-1200، من الجيل الثالث المتقدم، تُعد من الأكثر أماناً عالمياً عبر مزايا أمان سلبية تمنع الانهيار حتى عند انقطاع الطاقة بالكامل.

 

تعاون متصاعد وحسابات جيوسياسية

 

يفسّر التقرير توجّه مصر نحو روسيا باعتباره خياراً سياسياً واقتصادياً بدأ يتبلور بعد 2014 حين تراجعت العلاقات مع الغرب. يبرز دور موسكو في تقديم التمويل والتقنيات والدعم العسكري والاستثماري بلا شروط سياسية، بينما ترتفع مستويات التجارة الثنائية ويتوسع التعاون ليشمل المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس. يرى محللون أن المشروعات المشتركة تُرسل رسالة سياسية واضحة عن ثبات التحالف، خصوصاً مع الضغوط الدولية الهائلة على روسيا. ينوّه بعض الخبراء بأن بناء الضبعة يندرج ضمن تحوّل أوسع تستبدل فيه مصر اعتماداً مالياً قديماً على الغرب بروابط جديدة مع موسكو وبكين، مع مشاركة ملموسة داخل تكتلات مثل بريكس التي تمنح القاهرة مساحة أوسع للمناورة.

 

تحديات مستقبلية في ظل العقوبات وتغيّر المناخ

 

يشرح التقرير أن موسكو توفّر 85% من تكلفة المشروع عبر قرض قيمته 25 مليار دولار، ما يثير مخاوف محلية من رهن المشروع الحيوي بالعزلة الدولية المتصاعدة التي تواجهها روسيا. يحذّر متخصصون من أثر أي عقوبات إضافية قد تطاول قطاع الطاقة النووية الروسي، نظراً لاعتماد المشروع على توريد معدات عالية الحساسية وخبرات تشغيلية متقدمة. رغم ذلك، يؤكد خبراء وجود إرادة سياسية مشتركة تمكّن الجانبين من تخطي العقبات.

 

ينتقل المقال إلى التحديات البيئية، إذ يقع موقع الضبعة على الساحل المتوسطي في منطقة زلزالية نشطة، ما يفرض معايير هندسية تتحمّل هزّات تصل قوتها إلى سبع درجات. تشير توقعات علمية إلى ارتفاع مستوى البحر المتوسط بما يصل إلى نصف متر بحلول 2050، ما يستدعي بناء حواجز بحرية مكلفة لحماية الموقع. يركّز التقرير على هشاشة دلتا النيل أمام تغوّل مياه البحر، إذ قد يدمّر الغمر المالح مساحات زراعية تمثل نحو نصف إنتاج مصر الزراعي، بينما تواجه البلاد ضغطاً سكانياً ومائياً متزايداً، ما يجعل المخاطر أعلى من أي وقت مضى.

 

يتناول المقال ملف الوقود النووي المستهلك، ويشير إلى أن روسيا تحتفظ به حالياً داخل حاويات جافة، لكن قضية التخزين النهائي ما تزال بلا حل عالمي واضح، الأمر الذي يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام تشغيل مستدام للمفاعل.

 

في ختام التقرير، يوضح علي عبد النبي، الخبير المصري في شؤون الطاقة، أن المشروع يضع مصر على خط دقيق للغاية: المخاطر حاضرة، لكنها تستحق المواجهة لأنها تمنح البلاد مكانة جيوسياسية أوسع وقدرة أكبر على تنويع مصادر الطاقة.

 

يذكر أن اكتمال المشروع وتفعيله يظلّان رهينين بتعامل القاهرة وموسكو مع كل هذه التحديات التقنية والسياسية والمناخية، بحيث يتحول إنجاز إنزال وعاء الضغط إلى خطوة على طريق طويل نحو استقلال طاقي حقيقي.

 

https://www.newarab.com/news/egypts-russia-built-nuclear-power-plant-crosses-major-milestone