قال موقع "ميدل إيست 24"، إن زعيم المعارضة "الإسرائيلية" يائير لابيد طرح خلال لقائه بوزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ومستشار الأمن القومي جوناثان باول في لندن، طرح اقتراحًا من شأنه أن يُحدث تغييرًا جذريًا في ميزان القوى الإقليمي.
الاقتراح الذي وصف بأنه تحول مزلزل محتمل في الدبلوماسية في الشرق الأوسط ينص على أن تحل مصر محل تركيا وقطر في إدارة شؤون غزة، الأمر الذي اعتبره الموقع لا يمثل مجرد تغيير إداري؛ بل يُشير إلى عودة محتملة إلى هياكل السلطة التي سبقت الربيع العربي بقيادة القاهرة.
ورأى أن توقيت هذه المناقشات جديرٌ بالملاحظة. فبينما لا تزال "إسرائيل" تواجه تدقيقًا دوليًا بشأن قيود الأسلحة والعلاقات التجارية، تسعى مبادرة لابيد إلى تحقيق هدفين: الحصول على دعم بريطاني لرفع القيود العسكرية، وفي الوقت نفسه اقتراح شريك عربي "موثوق" في مصر لإدارة الوضع المتقلب في غزة.
وأشار إلى أن هذا الثلاثية البريطانية-الإسرائيلية-المصرية تعكس الأنماط التاريخية للقوى الغربية التي تسعى إلى حلفاء عرب مستقرين لتولي إدارة بؤر التوتر الإقليمية.
تاريخ مصر المعقد مع غزة
ورصد التقرير كيف أن علاقة مصر بغزة كانت حافلة بالتعقيدات التاريخية، مما يجعل هذا المقترح منطقيًا ومثيرًا للإشكال في آنٍ واحد. فمن عام 1948 إلى عام 1967، أدارت مصر قطاع غزة، وهي فترة اتسمت بسيطرة صارمة واستقلال فلسطيني محدود.
أما الحكومة المصرية الحالية برئاسة عبدالفتاح السيسي، فيذكر الموقع أنها حافظت على علاقة معقدة مع غزة، حيث تتوسط بين "إسرائيل" و"حماس"، وتُبقي معبر رفح الحدودي تحت رقابة مشددة.
وقد أدى ارتياب مصر العميق من "حماس"، والمتجذر في صلات الأخيرة بجماعة "الإخوان المسلمين"، إلى سياسات غالبًا ما تعكس المخاوف الأمنية "الإسرائيلية".
ويأتي اقتراح تعزيز دور مصر في الوقت الذي يواجه فيه نفوذ قطر وتركيا في الشؤون الفلسطينية انتقادات متزايدة من "إسرائيل" وحلفائها.
إذ يُنظر إلى الدعم المالي القطري لغزة، على الرغم من تقديمه الإغاثة الإنسانية، بعين الريبة من قِبل من يرون أنه يُمكّن "حماس" من الحكم. وبالمثل، فإن دعم تركيا الصريح للقضايا الفلسطينية في عهد الرئيس أردوغان وضع تركيا كقوة معادية في الحسابات "الإسرائيلية".
في المقابل، تُقدم مصر وعدًا بشريك "أكثر قابلية للإدارة" - شريك تُشارك حكومته الاستبدادية "إسرائيل" اهتمامها باحتواء الحركات الإسلامية، بحسب التقرير.
الواقعية السياسية وراء الخطاب
واعتبر الموقع أن مبادرة لابيد في لندن تكشف عن الحسابات الباردة التي تُحرك دبلوماسية الشرق الأوسط. فمن خلال اقتراح مصر كراعٍ خارجي رئيس لغزة، تسعى "إسرائيل" إلى تحقيق أهداف متعددة: تحييد نفوذ الحكومات التي تعتبرها معادية، وضمان بقاء غزة تحت إشراف دولة ذات مصالح أمنية مشتركة، وربما كسب الدعم الدبلوماسي الغربي من خلال تقديم وجه عربي "معتدل" للاتفاق.
ورأى في الوقت أن ذكر رفع القيود على الأسلحة والتفاوض على اتفاقيات تجارية جديدة يوضح أن هذا الأمر يتعلق بمكانة "إسرائيل" الدولية الأوسع بقدر ما يتعلق بمستقبل غزة.
وبالنسبة لبريطانيا، تبدو جاذبية هذا الاقتراح واضحة، فبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، حرصت على ترسيخ استقلاليتها في سياستها الخارجية، ومن شأن تسهيل الترتيبات جديدة في الشرق الأوسط أن تعزز ذلك. وتشير مشاركة مسؤولين بريطانيين رفيعي المستوى إلى دراسة جدية لهذا المقترح، على الرغم من التعقيدات الشاقة بشأن تنفيذه.
التكلفة البشرية للشطرنج الجيوسياسي
في غضون هذا، يغيب مصير سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، والذين عانوا عقودًا من الحصار والصراع والتجارب السياسية. فيما يرى الموقع أن اقتراح تحويل الرعاية الدولية من قطر وتركيا إلى مصر يُعامل غزة كمشكلة يجب إدارتها، لا كشعب يستحق الكرامة وتقرير المصير.
ويشير سجل مصر الحافل - من دعمها للحصار إلى تدميرها أنفاق التهريب التي كانت بمثابة شريان حياة اقتصادي - إلى أن تعزيز التدخل المصري قد يُعطي الأولوية للأمن على حساب الشؤون الإنسانية.
علاوة على ذلك، فإن افتراض قدرة مصر على الاضطلاع بدور أكبر يتجاهل التحديات الداخلية التي تواجهها. ففي ظل الضغوط الاقتصادية والمخاوف الأمنية الداخلية، قد تتردد القاهرة في تحمل مسؤولية أكبر تجاه غزة دون دعم وضمانات دولية كبيرة. وقد ينظر الشعب المصري، الذي يعاني بالفعل من التضخم والبطالة، إلى توسيع التدخل في غزة على أنه عبء غير مرغوب فيه.
التداعيات الإقليمية والسيناريوهات المستقبلية
إذا نُفِّذ هذا الترتيب البريطاني-الإسرائيلي-المصري، فقد يُبشِّر – من وجهة نظر الموقع - بإعادة ترتيب إقليمي أوسع. وسيُمثل تهميش تركيا وقطر انتصارًا للمحور السعودي-الإماراتي الذي سعى إلى احتواء نفوذ البلدين.
وقد يُشير أيضًا إلى عودة إلى نظام ما قبل عام 2011، حيث أُعطيت الأولوية للاستقرار الاستبدادي على التطلعات الديمقراطية- وهو تطور ستكون له آثار تتجاوز حدود غزة بكثير.
ومن المرجح أن يعتمد نجاح مثل هذا الترتيب على عوامل خارجة عن سيطرة مُدبّريه. فرد فعل حماس، والرأي العام الفلسطيني، وردود فعل القوى الإقليمية الأخرى، كلها عوامل قد تُعرقل المبادرة.
علاوة على ذلك، يفترض الاقتراح مستوى من القدرة والاستعداد المصريين قد لا يتوافق مع الواقع. إن قدرة القاهرة على إدارة غزة بفعالية مع الحفاظ على استقرارها ليست مضمونة على الإطلاق.
مع استمرار تحولات التحالفات في الشرق الأوسط، يلوح سؤال واحد في الأفق: في عجلة البحث عن "حل" لمشكلة غزة، هل تضحي القوى الدولية مرة أخرى بالفلسطينيين على مذبح الاستقرار الإقليمي- وإذا كان الأمر كذلك، فإلى متى يمكن لمثل هذه الترتيبات أن تصمد في عصر المقاومة الشعبية المتنامية للحكم الاستبدادي؟
https://middleeast24.org/yair-lapid-advocates-egypts-leadership-in-gaza-at-london-talks/

