في مشهد عبثي لا يليق إلا بمسرحيات النظام الهزلية، تحولت ماكينة الإعلام التابعة للأجهزة الأمنية في مصر خلال الساعات الـ48 الماضية إلى "غرفة عمليات للندب والاتهام"، بدلاً من تغطية العملية الانتخابية. فبينما تغرق منصات التواصل الاجتماعي بفيديوهات توثق الرشاوى الانتخابية، واللجان الخاوية، وتزوير البطاقات علناً، خرجت الأذرع الإعلامية للنظام، في تناغم مريب، لتردد معزوفة واحدة: "الإخوان هم السبب". هذه السردية المكررة لم تعد مجرد شماعة للفشل، بل أصبحت استراتيجية ممنهجة للهروب من الفضيحة التي وثقتها كاميرات الهواتف المحمولة لمواطنين عاديين، لا علاقة لهم بالتنظيمات السياسية، بل دفعهم الجوع أو الغضب لفضح المستور.

 

انتخابات في الظلام: مهزلة بلا منافسين

 

تُجرى انتخابات مجلس النواب 2025 في مناخ سياسي وصفته المنظمات الحقوقية بأنه "الأسوأ في تاريخ مصر الحديث". فبعد سنوات من القمع المنهجي، وتجريف الحياة السياسية، وإغلاق المجال العام، يبدو الحديث عن "منافسة" ضرباً من الخيال.

 

وفي هذا السياق، يرى حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن ما يحدث لا يمكن تسميته انتخابات من الأساس. ويشير بهجت إلى أن: "النظام الذي يسجن الآلاف من المعارضين ويكمم أفواه الصحافة المستقلة لا يمكنه تنظيم عرس ديمقراطي. الفيديوهات التي نراها لمواطنين يبيعون أصواتهم مقابل كراتين غذائية أو بضع مئات من الجنيهات هي النتيجة الطبيعية لإفقار الشعب سياسياً واقتصادياً". ويؤكد بهجت أن محاولة إعلام النظام تصوير هذه المشاهد على أنها "فبركة إخوانية" هي "إهانة لذكاء المصريين"، فالفراغ في اللجان حقيقة يراها الجميع رأي العين، ولا تحتاج لتنظيم سري لإثباتها.

 

إعلام الأجهزة وفزاعة "الإخوان" الأبدية

 

لم يكد يمر اليوم الأول من التصويت حتى بدأت الفيديوهات الفاضحة في الانتشار: مرشحون يوزعون الأموال علناً، ومشاجرات في دمياط وسوهاج بسبب التزوير الفج لصالح مرشحي حزب "مستقبل وطن"، واعترافات لمواطنين بتلقي رشاوى.

 

هنا، تدخل ماجد ماندور، المحلل السياسي المتخصص في النظم السلطوية، لتفكيك رد فعل النظام، موضحاً أن: "النظام يعيش حالة إنكار مرضية. هو يصنع 'حالة استثناء دائمة' تتيح له تعليق القانون والدستور بحجة محاربة الإرهاب. لذا، عندما تظهر فضيحة تزوير، لا يحاسب النظام الفاعل، بل يبحث عن 'العدو' الذي صورها". ويضيف ماندور أن "شيطنة الإخوان" تحولت إلى أداة وظيفية؛ فالنظام لا يستطيع الاعتراف بأن فساده هو الذي يُصوَّر، لذا ينسب الكاميرا التي صورت الفساد إلى "الإخوان"، ليحول النقاش من "جريمة التزوير" إلى "جريمة التصوير".

 

من الذي سرّب الفضائح فعلاً؟

 

على عكس مزاعم وزارة الداخلية التي سارعت لاتهام "عناصر إخوانية" بفبركة فيديوهات شراء الأصوات بغرض "تحقيق أرباح مالية" ، يؤكد الواقع أن من وثق هذه المشاهد هم مواطنون عاديون، وبعضهم حتى من أنصار النظام الذين اختلفوا على المقابل المادي.

 

المقاول والمعارض محمد علي علق على هذه الظاهرة قائلاً: "النظام يرتعب من كاميرا الموبايل أكثر من أي تنظيم سياسي. الفيديوهات التي رأيناها لمرشحين يصرخون بسبب تغيير الصناديق، أو لمواطنين يعترفون ببيع أصواتهم، لم تخرج من استوديوهات في لندن أو إسطنبول، بل خرجت من بولاق والدقهلية والصعيد". ويضيف ساخراً: "هل الإخوان هم من جعلوا اللجان فارغة؟ أم أن الشعب هو من قرر مقاطعة هذه المسرحية؟ النظام يحاول إقناعنا أن الإخوان لديهم قدرة سحرية على إفراغ اللجان وتجنيد ضباط الشرطة لتزوير الصناديق، وهذا اعتراف ضمني بهشاشة النظام لا قوته".

 

لماذا الآن؟ الأهداف الخمسة لتعليق الفشل

 

يتفق الخبراء على أن لجوء الإعلام الموالي لهذه النغمة القديمة في انتخابات 2025 يخدم خمسة أهداف تكتيكية للنظام:

  1. الهروب من سؤال المقاطعة: التغطية على نسبة المشاركة الهزيلة جداً باتهام "أهل الشر" بالترويج للشائعات.
  2. تبرير القبضة الأمنية: استمرار الحديث عن "مؤامرة إخوانية" يعطي الشرعية لاستمرار قانون الطوارئ غير المعلن والمحاكمات الاستثنائية.
  3. إرهاب المواطنين: إرسال رسالة بأن أي شخص يصور انتهاكاً سيُصنف فوراً كـ"إخوان" ويواجه تهم الانتماء لجماعة إرهابية.
  4. تصفية الحسابات: استغلال الحدث للهجوم على منصات المعارضة في الخارج التي تنقل هذه الفيديوهات.
  5. رسالة للخارج: محاولة دغدغة مشاعر الغرب بأن البديل لهذا النظام "المزور" هو "الإسلام السياسي"، وبالتالي عليهم قبول التزوير كضريبة للاستقرار.

 

شهادات من قلب المعركة الحقوقية

 

يصف جمال عيد، الحقوقي البارز، المشهد الإعلامي الحالي بأنه يدار من "غرفة رسائل واحدة" (Samsun). يقول عيد: "لم يعد هناك إعلام في مصر، هناك فقط نشرة أمنية تُوزع على القنوات. التعليمات كانت واضحة: أي فيديو يظهر تزويرًا هو 'فبركة إخوانية'. هذا الاستخفاف بالعقول هو ما يدفع الناس للمزيد من الغضب". ويشير عيد إلى أن النظام استبدل العملية السياسية بالكامل بإجراءات أمنية، حيث يُعتقل المرشح الذي يشتكي من التزوير (مثلما حدث في الإسكندرية) بدلاً من التحقيق في شكواه.

 

من جانبه، يرى باسام خواجة، الباحث في هيومن رايتس ووتش، أن هذه السردية جزء من بنية القمع، قائلاً: "السلطات المصرية تستخدم تهمة 'الانتماء للإخوان' كختم مطاطي جاهز لكل من يعارض أو يفضح انتهاكاً. هذا النمط من الإنكار المنهجي وتحويل الضحية إلى متهم يوفر بيئة مثالية للإفلات من العقاب، حيث يصبح المزور وطنياً، وفاضح التزوير خائناً وعميلاً".

 

خاتمة: الجريمة ليست في العدسة

 

في النهاية، تكشف انتخابات 2025 أن النظام المصري لم يعد يمتلك أي أدوات سياسية للإقناع، ولم يتبقَّ في جعبته سوى "العصا الأمنية" و"فزاعة الإخوان". إن محاولة إلصاق فضائح التزوير والرشاوى بجماعة تم حظرها وملاحقتها منذ سنوات، هو دليل إفلاس وليس دليل قوة. الحقيقة التي لا يريد إعلام الانقلاب الاعتراف بها هي أن العدسة التي صورت الفضائح لم تكن عدسة "إخوانية"، بل كانت عين الحقيقة التي يرفض هذا النظام أن يراها: أنه نظام يحكم بالخوف، وينتخب نفسه في غرف مغلقة، بينما الشارع – بكل أطيافه – يلفظه ويقاطعه.