في حلقة جديدة من مسلسل "نهب ثروات مصر" تحت غطاء الاستثمار، أعلنت شركة "نيكس ميتالز" الأجنبية بدء عملياتها في استخراج الذهب من منجم "شمال هيناي" بصحراء مصر الشرقية. هذا الإعلان، الذي تم تسويقه كإنجاز اقتصادي، ليس في الحقيقة سوى "عقد إذعان" جديد يمنح الأجنبي الحق في نهش جسد الوطن واستنزاف كنوزه، بينما يقف المصري صاحب الأرض متفرجًا أو عاملاً بالأجرة في مناجمه.
الاتفاقية التي وقعت في الظلام، تمنح الشركة الأجنبية "الأولوية لاسترداد كامل التكاليف" قبل أي توزيع للأرباح، ثم تقاسم الغلة بنسبة مجحفة تعطيها 44% من الأرباح، لتترك الفتات للشريك الوطني المتمثل في شركة شلاتين. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تصر "حكومة الجباية" على تسليم مفاتيح كنوزنا للأجانب بدلاً من بناء قدرات وطنية لاستخراج هذه الثروات؟
"عقود الإذعان".. الأجنبي يأكل "الكعكة" والمصري يلملم الفتات
تفاصيل الاتفاقية تكشف عن "خلل هيكلي" وفادح في إدارة ملف الثروة المعدنية. فوفقًا للعقد، تضمن "نيكس ميتالز" استرداد كل قرش أنفقته أولاً، ثم تتقاسم الأرباح بنسبة 44% لها، و20% لشريكها "غولدن إيغل"، ليبقى لشركة شلاتين (الممثلة للدولة) نسبة 36% فقط. هذا يعني ببساطة أن أكثر من 64% من أرباح الذهب المصري ستذهب لجيوب شركات أجنبية وخاصة، في حين تتحمل الدولة الأعباء البيئية واستنزاف الموارد.
إن هذا النموذج "الاستعماري" في إدارة الموارد يعيد للأذهان حقبة الامتيازات الأجنبية، حيث كان الخواجة يملك ويدير، والمصري مجرد ترس في آلة لا تخدمه. لماذا لا تستثمر الدولة المليارات التي تبعثرها على "الكباري والقصور" في شراء معدات تعدين وتدريب كوادر وطنية لاستخراج الذهب بأيدٍ مصرية خالصة، ليعود العائد كاملاً للخزينة العامة؟
غياب الشفافية.. بيع الثروات في الغرف المغلقة
إعلان "نيكس ميتالز" عن اعتزامها إطلاق برنامج استكشاف جديد لأن البيانات السابقة "غير منظمة" ولا ترقى للمعايير الدولية ، هو اعتراف ضمني بفشل الإدارة الحكومية السابقة لهذا الملف. لكن بدلاً من محاسبة المقصرين وتطوير هيئة الثروة المعدنية، اختار النظام الحل الأسهل: بيع الامتياز لمن يدفع، وترك الأجنبي يعبث ببياناتنا الجيولوجية كيفما شاء.
غياب الشفافية حول القيمة الحقيقية لاحتياطيات هذا المنجم، وعدم وجود رقابة برلمانية حقيقية على هذه العقود، يفتح الباب واسعًا للفساد وإهدار المال العام. فمن يضمن لنا أن الأجنبي لن يهرب بأطنان الذهب تحت بند "استرداد التكاليف" المضخمة، كما حدث في تجارب سابقة؟
التفريط في السيادة الاقتصادية
تسليم قطاع استراتيجي كالذهب للشركات الأجنبية هو تفريط في "السيادة الاقتصادية". الذهب ليس مجرد معدن، بل هو "عملة الملاذ الآمن" وغطاء لقوة الاقتصاد القومي. عندما تترك استخراجه وتصديره في يد الأجنبي، فأنت ترهن مستقبلك لقرارات شركات عابرة للحدود لا يهمها سوى الربح السريع.
الحكومة التي تدعي أنها تبني "جمهورية جديدة"، تبنيها على أنقاض السيادة الوطنية، بتحويل مصر إلى "منجم مفتوح" للنهب الدولي، بينما يعاني الشعب من الفقر والغلاء.
الخلاصة: نظام "السمسار" لا يبني وطناً
ما يحدث في منجم "شمال هيناي" هو تجسيد لعقلية "السمسار" التي تدير مصر. النظام لا يريد وجع الدماغ في الإنتاج والإدارة، بل يريد "عمولة" سريعة (نسبة من الأرباح) ينفقها على سداد فوائد الديون التي أغرقنا فيها. إن الإصرار على إشراك الأجنبي في لقمة عيش المصريين وثروات باطن أرضهم هو "خيانة للأمانة"، وجريمة في حق الأجيال القادمة التي ستستلم وطناً "مجوفاً" خاوياً من الذهب والخيرات.

