أخبار النافذة

تراث

بقلم الأستاذ: أحمد محمد السكرى

أقدم مسلم انجليزي – الشيخ عبدالله كوليام بك

مقدمة

عبد الله كوليام أول مسلم بريطانى هداه الله للإسلام فى حدود1886 حينما زار المغرب عاد إلى بلده فى مدينة ليفربول وبدأ يدعوا إلى الإسلام وأصدر جريدة الهلال (Crescent) ومجلة العالم الإسلامي ( Islamic world ) وذلك لمدة عشر سنوات .

دعا عبد الله كوليام قومه إلى دين الإسلام مواجها أكبر دولة فى العالم فى زمانه(بريطانيا)التى لا تغيب عنها الشمس وواجه نفس التحديات التى لقيها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أسلم على يديه ستمائة إنجليزى من علية القوم برلمانيون وأساتذة ومثقفون وغيرهم كثير أنعم عليه المرحوم السلطان عبدالحميد لقب شيخ الإسلام فى الجزر البريطانية وأيرلاندا وفى أحد زياراته الإسطنبول إلتقى به صحافى يابانى وأسلم على يديه وتسمى عبدالحليم نوده وبذلك يسلم أول مسلم يابانى على يد أول مسلم إنجليزى عام 1898.

بنى عبدالله كوليام أول مسجد فى بريطانيا فى مدينة ليفربول وألحق به معهد ومدرسة لأطفال المسلمين ومركز لرعاية الأيتام.

لسبب او آخر وبعد إلغاء الخلافة ضعف أمر عبدالله كوليام وتنقل لعدة أماكن وبعد وفاته ترك المسجد وآل أمره إلى بلدية ليفربول واتخذته مقرا لسجلات الأحوال المدنية أخيرا طالب مسلمو ليفربول باستعادة المسجد وملحقاته فوافقت البلدية على ذك على أن يثبتوا مقدرتهم فى إعادة البناء زرهم عدة مرات وتعاونت معهم فى وضع المخططات اللازمة وتسويق المشروع للأمة الإسلامية لكى يصبح هذا المسجد والمركز معلما حضاريا وثقافيا لعموم بريطانيا ويزوره طلاب المدارس والجامعات من جميع أنحاء البلاد وتتاح لهم الفرصة للتعرف على مبادئ الإيلام وحضارته .

كما قمت بتصوير جميع أعداد الهلال والعالم الإسلامى وعملت نسخ منها كل نسخة تحتوى على أربع كارتونات ووزعت العديد منها على بضعة مراكز إسلامية وجامعات فى بريطانيا بهدف إظهار أن أصل المسلمين فى بريطانيا ليسو عربا ولاهنودا ولا غير ذلك وإنما هم إنجليز أقحاح والمقالات المرفقة تحكى جزءا من قصة إسلام عبدالله كوليام وظروف الدعوة التى قام بها.
 


مجلة الفتح
القاهرة

2 أغسطس سنة 1928 م

 

زارنا في إدارة جريدة الفتح حضرت العالم الفاضل الشهير الشيخ عبد لله بك كوليام ، وهو أول رجل انجليزي دخل في الإسلام ودعا قومه إليه منذ ثنين وأربعين عاماً .

( ولد سنة 1856 وأسلم سنة 1887 ) وفي سنة 1889 ألف في الدعوة إلى الإسلام وبيان عقائده الطاهرة كتابه المشهور ( العقيدة الإسلامية ) الذي ذكر شهادات علماء أوربا وأشهر كتابها على فضل الدين الإسلامي في نشر المدنية وارتقاء العمران مع بيان الأسس الجوهرية التي بني عليها هذه الدين المبين وتطبيقها على القواعد العقلية والأصول الفلسفية ، ثم ألف رسالته ( الجواب الكافي ) التي رد فيها اعتراضات من اعترض عليه من أقاربه وذويه بسبب دخوله في الإسلام .

وسيلقي هذا الأخ في الدين محاضرة باللغة الإنجليزية في نادي (جمعية الشباب المسلمين) عنوانها (( نصف قرن على الإسلام في انجلترا )) بعد صلاة المغرب من يوم السبت الآتي .

فترحب بهذا الأخ الفاضل الذي أقام بيننا زائراً العاصمة المصرية أياماً قليله .

وسيبرحها بعد بضعة أيام .

بلغة الله السلامة في الحل والترحال .


(مجلة الفتح )
القاهرة: الخميس 23 صفر سنة 1347 هـ - 9 أغسطس سنة 1928 م
نصف قرن على الإسلام في انجلترا...  أقدم مسلم انجليزي يتكلم
محاضرة الشيخ عبد الله كوليام في نادي جمعية الشبان المسلمين

شخصية المحاضر

يجتاز الشيخ عبد الله كوليام الآن مرحلة السبعين من حياته متوجهاً منها إلى الثمانين، ومع ذلك لايزال في همة الشباب وقوتهم .

لكن أطباءه نصحوا له بأن يستنشق هواء البحار في رحلة طويلة يقضيها في السفينة ، فخرجت معه زوجته السيدة مريم لترافقه في هذه الرحلة .

ولما ألقت بهم السفينة مراسيها على باب قناة السويس كان شيخنا قد مل من مشاهدة لجج البحار فأراد أن يقضي أياما في وادي النيل إلى أن تعود الباخرة من الهند إلى بورسعيد فيعود معها.

والذين يعرفون صورة الشيخ عبد الله كوليام المنشورة في صدر كتابه (العقيدة الإسلامية) يعرفونه بعمامة ولحية خفيفة ، وذلك أيام كان من العاملين للجامعةالإسلامية تحت جناح السلطان عبدا لحميد إذ كان موضع ثقة والقائم بما يعهد إليه من المهمات.

أما الآن فكان بيننا يلبس الطربوش . ونزلت زوجته من بر مصر متحجبة بملاءة كثيفة لفتت إليها الأنظار مع شيخوختها فنصح لها أصدقاء زوجها بأن تعود إلى ثيابها العادية الدالة على الحشمة والكمال، والشيخ عبد الله كوليام معروف الآن في عالم الأدب والتأليف باسم هـ . م . ليون أي هارون مصطفى ليون ، وإنما اضطر إلى اتخاذ اسم ( ليون ) لأن عم زوجته كانت له تجارة وأملاك ولم يكن له وارث فاشترط أن لا تأول ثورته إلى بنت أخيه إلا إذا رضي زوجها أن يتسمى باسمه .

فوافق صاحبنا على ذلك وسجل اسمه الجديد في المحكمة .

وهو الآن يشترك في تحرير إحدى المجلات العامة ويحمل ألقاباً علمية محترمه .وفي أيام دراسته كان قد حصل على شهادة دكتور في القانون وشهادة دكتور في الآداب وشهادات أخرى غيرها .

وللشيخ عبد الله كوليام عدة بنين وبنات كلهم مسلمون ، ولبنيه أيضاً أبناء كثيرون كلهم مسلمون كذلك . ووالدته ماتت على الإسلام وأما والده فمات على دينه .

بهذه المعلومات قدم صديقنا الأستاذ راشد بك رسم ضيف جمعية الشبان المسلمين إلى سامعيه عندما وقف وسط التصفيق الحاد المتواصل ليلقى في محاضرته (نصف قرن على الإسلام في انجلترا) كانت قاعد المحاضرات غاصة بأعضاء الجمعية ، وأكثرهم من الشبان الذين يجيدون اللغة الإنجليزية .

فكان ذلك منشطاً للمحاضر في إلقاء محاضرته ، وبلغ بع التحمس والظهور بمظهر القوة أثناء إلقائها إلى حد أن زوجته كانت في وجل عليه أن يكون مايبذله من جهد مضراً بصحته ، لاسيما وانه قد أطال حتى استغرقت خطبته مدة ساعتين .

وعند انتهائها قام صديقي المفضل الأستاذ محمود بك علي فضلي عضو مجلس إدارة الجمعية فألقى خلاصتها بالعربية ليقف عليها الذين لا يعرفون الانجليزية .
 


المحاضرة :
 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الإخوان ، إنني آسف لأني لا أحسن الخطابة بالعربية فيكون كلامي معكم الليلة بها .

وهذا الموقف يذكرني بخطبة ألقيتها في بلدة ليغوس وكان قد ندبني جلالة السلطان عبد الحميد لإهداء وسام منه إلى محمد بك شيني مكافأة منة على إنشائه مسجداً هناك كان خمسة آلاف جنيه فكان الحاضرون من ستة أجناس مختلفة ، فاحتجنا إلى ستة مترجمين ليترجموا تلك الخطبة للحاضرين .

وكان بينهم ستة عشر مسيحياً هداهم الله إلى الإسلام عقب تلك الخطبة وبالطبع لا يوجد الآن بيننا مسيحيون ، وكنت أتمنى لو كانوا موجودين ليسمعوا محامد الإسلامويعرفوا حقيقته فيكونوا أصدقاء له .

أنا مبتهج أيها الأخوان بوقوفي الليلة بينكم لأحدثكم ، وقد اخترت أن أتحدث إليكم عن نفسي وعن الدور الذي كان من نصيبي أن أمثله بعد دخولي في الإسلام ، وأعتذر إليكم إذا كان في اختياري الكلام عن نفسي شيء من الأنانية وحب الذات .

منذ ستين عاماً أشار علي الأطباء براحة أمضيتها في جبل طارق . فلما صرت إلى هناك ركبت سفينة إلى طنجه لمشاهده بعض البلاد المراكشية .

واتفق أنني لما صعدت السفينة رأيت فيها بعض الحجاج من أهل المغرب يفترون الماء بالدلو من البحر ويتطهرون مبالغين في النظافة ، ثم أقلعت السفينة ، وما كادت تغادر الميناء حتى رأيت هؤلاء الجماعة قد اصطفوا للصلاة صوفاً جميلة وجعلوا يصلون معاً بخشوع وطمأنينة غير مكترثين بتمايل السفينة واضطراب الريح .

ولقد اثر في نفسي ماقرأته على وجوههم من صدق الإيمان فأثارت حالتهم هذه الاهتمام الزائد عندي في أن استزيد من المعلومات عن الدين وعن الذين يدينون به .

وما غمت أن تعرفت بمسلم بتكلم الانجليزية فكان يلازمني دائماً مدة إقامتي في طنجة ، لاسيما بعد ما شعر مني بالرغبة في معرفة المبادئ التي يدعو الإسلام إليها والروابط التي تربط المسلمين بعضهم ببعض .

وفي ذات مساء جلست معه ي مقهى من مقاهي طنجة وكان ثمة رجل إسرائيلي اسمه موسى يعرفه صاحبي المسلم . فقال لي صاحبي : أريد أن اضرب لك مثلاً يوضح حقيقة الديانات الثلاث السماوية السائدة في الأرض ، وهي الديانات التي نمثلها أنا وأنت وهذه الإسرائيلي .

 

أن الأنبياء سفراء الله إلى الناس يحملون إليهم قواعد الإصلاح ويدلونهم على طريق السعادة.

لهذا جاء اَدم ونوح وإبراهيم وكل الأنبياء بعد إبراهيم .

وقبل أن يفترق الناس إلى يهود ونصارى ومسلمين كانوا جميعاً على ملة واحدة فجاء المسيح عليه السلام بهداية جديدة أدرك صدقها ونفعها الذين اتبعوا المسيح ، فانفصلوا عن اليهود، وكانوا على حق في انفصالهم هذا لأن المسيحية جاءت مصدقة لما تقدمها ومرشدة إلى الطرق الأقوم .

ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لجميع الأنبياء قبله ومرشداً إلى الصراط المستقيم .

صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية والإرشاد. فانفصل المسلمون أيضا ، وكانوا على حق في انفصالهم هذا كما كان المسيحيون على حق يوم انفصلوا عن اليهود .

فكما أن المسيحية أفضل من اليهودية لأنها وحي أقرب عهداً من الوحي الأول كذلك الإسلام أفضل من المسيحية واليهودية معاً لأنه أحدث الوحي وآخر الديانات وأبقاها.

كنت اسمع حديث صديقي وأطيل التفكير فيه ولا اشعر في نفسي بمعارضة له ، لأنه كان معقولاً ومنطقياً .

فعولت من ذلك حين علي أن اقرأ الإسلام في كتبه وأن اقرأ ماكتبه عنه العلماء المتصفون ، فقرأت ترجمة للقراَن الشريف وقرأت كتاب الأبطال لكارليل وقرأت غيرها ، وما خرجت من طنجة إلا وأنا مستسلم للإسلام مذعن لفوته مقر بأنه حق وأنه خير الأديان .

ولما رجعت إلى انجلترا كان شغلي الشاغل التفكير في الأسلوب الذي يجب أن أتبعه لأدعو الناس إلىالإسلام وأقنعهم به واحملهم على الإيمان به .

وكنت أعلم أن ما شحنه أعداء هذه الهداية في رؤوس الأوربيين عن الإسلام سيحول بيني وبين التفاهم مع الجمهور بطريق المحاضرات أو النشر .

لأن جمهور الإنجليز إذا حدثتهم عن الإسلام يظنون أنك تحدثهم عن دين وثني ، والنشر نفسه تحول بيننا وبينه عقبات لأن الصحف لا تفتح بصدرها لمصل هذه الدعوة .

ثم بدالي أن أطرق بابا غير مباشر ، وهو أن التحق بجمعية النهي عن المسكرات التي كانت تلقي محاضرات دورية .

وبالفعل ألقيت في هذه الجمعية محاضرة موضوعها (( المتعصبون والتعصب )) استهللتها بذكر بعض الشخصيات البارزة في عالم الاختراع والإصلاح الاجتماعي مثل ستيفنسون مكتشف القوة البخارية و ويلبرنورس المجاهد في سبيل تحرير الرقيق ، وأتيت على مجمل _____ كل من هؤلاء من المقاومة والاضطهاد والسخرية بما صرفوا له مواهبهم، قلت : وبالرغم من ذلك نرى آثار هؤلاء العظماء وإصلاحاتهم في انتشار ونماء وقد استفادت منها الإنسانية فوئد عظيمة فاعترفت لهم الأمم كلها بالفضل والعظمة .

ثم اردلت بذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقلت أن هذه المصلح الكبير جاء بالبشر بالرسالة ودعا الناس إلى الخير ، ومع ذلك فقد ناله من الأذى والاضطهاد ما يجده كل مصلح عظيم يسل على خير الانسانيه .

فلما تبين البشر فضله بعد قليل دخلوا في دينه أفواجاً ومازالوا كذلك حتى بلغوا الآن مئات الملايين من جميع أطراف المعمور، ثم ذكرت شيئاً من آداب الإسلاموالمبادئ والتعاليم التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم .

فكان هذا الموضوع طريفاً جداً في نظر الصحفيين الذين كانوا موجودين يسمعون هذه المحاضرة واستأذنوني في أن يأخذوا خلاصتها في صحفهم فقلت لا ، بل أشترط أن تؤخذ كاملة ، فإن لم تنشر كاملة فلا آذن بأخذ شيء منها ، فوافقوا وأخذوا نصها .

لكن القس لما علموا بالأمر أسرعوا إلى مديري الصحف وقالوا لهم إن المحاضرة فيها دسائس ، وإنما تتضمن الدعوة إلى دين وثني وفيها تحريض للمسيحيين على ان يصبئوا عن دينهم .

فوافق مديرو الصحف على حذف ما في المحاضرة خاصاً بمحمد صلى الله عليه وسلم ونشروا الباقي .

أما أنا فاعتماداً على ما اتفقت عليه مع مندوبي الصحف أنذرت القوم بأن سأحاكمهم أمام القضاة على تشويه محاضرتي ، وطالبتهم بأن يعملوا بما كان الاتفاق عليه فينشروا المحاضرة كاملة ، وكان لذلك تأثير عظيم لكثرة الأيدي التي تناولت هذه المحاضرة ولما بلغت هذا النجاح فكرت في أن يكون لنا في بلدي ليفربول مكان نقيم فيه الشعائر الإسلامية ونلقي فيه المحاضرات .

وبالفعل اخترنا مكاناً جعلنا نصفه للعبادة ونصفه للدرس والوعظ وإلقاء الخطب .

وما كدنا نفتح أبوا هذا البيت الإسلامي حتى صار القس يدسون لنا الأشرار والمتحمسين من صغار العقول ، وأفادنا هؤلاء القس بما كانوا يكذبون علينا ويصمونا به من الأمور الباطلة ، فإذا جاءنا المخدوعون بأكاذيبهم ولم يجدوا شيئاً مما حشيت به رؤوسهم يكون لذلك رد فعل حسن جداً .

ومما أوذينا به أن أولائك الأشرار كانوا يلقون الأقذار على المصلين أثناء الصلاة أو وقت خروجهم من بيت الله ، وكانوا يرجمون المؤذن بالحجارة ، وينثرون الزجاج المكسور على سجادات الصلاة ليجرحوا جبهاتنا وأيدينا وأرجلنا .

وفي ذات مساء انتهزوا فرصة وجودنا في مسجدنا فجاءوا إلى درجات السلم ووضعوا أمامها أسلاكاً لنتعثر بها عند خروجنا في الليل .

ومن محاسن الصدف أن أحد الإخوان أهدى إلي يومئذ عصا ، وان لم يكن من عادتي أن احمل العصا ، فحملتها .

وبينما أنا خارج من مسجدنا أمام إخواني أحرك العصا بيدي صدمت عصاي السلك فانتبهت إليه والى الأسلاك الأخرى ووقانا الله شرها وشر أصحابها .

ودخلت المسجد مرة أنا وإخواني لألقي عليهم محاضرة في تفسير آية من القراَن الشريف، فرأيت قد سبقنا إلى المسجد جماعة قرأت في وجودهم أنها وجوه غريبة مريبة ، فلم أبال بهم وتلوت آية القراَن الشريف وشرهت أفسرها وأستنتج منها العظات والعبر .

فلما انتهيت من المحاضرة قام أحد أولئك المريبين وأخرج من جيبه حجارة وألقاها في الأرض ثم توجه إلى أصحابه وقال لهم من كان منكم أن يضرب المسلمين بالحجارة التي معه فأنا صرت الآن مسلماً فاضربوني بها .

فألقوها هم أيضا في الأرض وأعلنوا إسلامهم .

وهذه الرجل الذي كان رئيساً لهم ما لبث أن أصبح عضدي الأيمن ، وقد اختار لنفسه اسم جمال الدين علي ، ولازمني في كل رحلاتي التي قمت بها للدعوة إلىالإسلام.

حتى أننا ذهبنا مرة إلى بلدة بيركنهيد وكان مقرراً أن القي في جمعية منع المسكرات محاضرة ، فأتيت في هذه المحاضرة بشيء عن الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم .

فاهتمت سكرتيرة الجمعية بمحاضرتي وطلب مني أن اشفي غليلها بإعطائها معلومات أخرى عن الإسلام .

ثم قالت : ولكن أليس نبي المسلمين هو القائل أن النساء ليست لهن أرواح فلا يدخلن الجنة .

فأخبرتها بأن هذا من إختلاقات أعداء الإسلام ، وأعطيتها المعلومات الصحيحة عن الدين الإسلامي ومبادئه وقواعده .

فأسلمت هذه السيدة وسميت فاطمة ، وأسلم على يديها شقيقتها وزوجها .

وفي إحدى المرات كنت القي محاضرة في لفربول ، وعند الانتهاء تقدم إلي رجل وطلب أن يرافقني في طريقي إلى البيت ليحادثني أثناء الطريق .

وسرنا نتحدث عن الإسلام ، وكانت أسألته لي وأجوبتي عليها داعية لسرورنا ، فلما بلغت باب المنزل دعوته لشرب الشاي عندي ، وبقينا إلى نصف الليل في حديث عن الإسلام وشرف منزلته ومبادئه العلمية الصالحة لكل زمان ومكان .

وأخيراً قال لي : وإذا كان ما تقوله عن الإسلام حقاً فماذا يمنعك أن تكون مسلماً ؟

فأجبته : إني افتخر بأني مسلم .

فأسلم هو أيضا .

وتمسى جمال الدين بخاري والآن فإن البعض يعتقدون بأن اللورد هدلي أول لورد انجليزي دخل الإسلام .

وليس هذا صحيحاً فقد دخل في الإسلام قبله اللورد ستنلي اولدرلي الذي كان يحب أ يدعى بين أخوانه المسلمين باسم عبدا لرحمن أفندي ، وكان يأتي مسجدنا فيصلي مع إخواننا رغم ما بينهم وبينه من التفاوت العظيم في المنزلة الاجتماعية .

وبلغ عدد الذين أسلموا من الانجليز بضع مئات .

وعلى ذكر المسجد والمصلين أقول : إننا كنا متبعين السنة الإسلامية في أن يصلي النساء صفاً وراء الرجال ، أما مسجد ووكنج فترتيبهم في الصلاة أن يصلي الرجل بين المرأتين والمرأة بين الرجلين ، لأن أعداء الإسلام يضعون في أذن المرأة أن الإسلام يريد إهانتها يجعلها تتخلف في الصلاة وراء الرجال .

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن السنة الإسلامية في الترتيب هي التي تضمن خلو بال المصلين ، وأنا لا ريب عندي قط في هذه الحقيقة .

والإسلام يحترم المرأة ويكرمها ويحفظ لها الحقوق المعقولة ، وفيما عدا ذلك فكل ما جاء فيه خاصاً بها فمعقول وطبيعي ، لأنه من مقتضيات الفروق الطبيعية بين الجنسين.

ثم أعلن الشيخ عبد الله كوليام استياءه من ذيوع المسكرات في البلاد الإسلامية وانتشار الإعلانات عنها في المحطات والشوارع الكبرى وفي كل مكان .

ونصح للشبان المسلمين في أن يقاوموا هذا الشر وينهوا عنه ويعملوا على إزالته وأن يتمسك المسلم بكل ما جاء في دينه غير مكترث بما يقوله أعداء هذه الهداية .

هذه هي محاضرة الشيخ عبد الله كوليام .

وقد كان لها وقع عظيم جداً، وكان لصاحبها في قلوبهم مكانة شعر هو بها فكانت عنده أعظم مكافأة دنيوية له على جهاده في سبيل الإسلام.

محب الدين الخطيب



الفتح
8 ربيع الأول 1347 هـ - 23 أغسطس 1948 م
موقف عبرة فيما سمعناه من السير عبد الله كوليام
في نادي جمعية الشبان المسلمين

 

صديقنا الأستاذ أحمد محمد السكري – كاتب هذه المقال أحد الذين سمعوا محاضرة الشيخ عبد الله كوليام ليلة ألقاها في نادي جمعية الشبان المسلمين ، فكتب مقالته هذه متأثراً بتلك المحاضرة ، وكان من حقنا أن ننشره قبل هذا العدد ، ولكن حالت دون ذلك كثرة المواد ، قال الأستاذ السكري :

رأيت ذلك النور الفياض الذي كان يتلألأ بين ثنايا ذلكم البطل المجاهد ؟

رأيت تلك الشخصية الفذة تلوح بيديها ذات اليمين وذات اليسار ملتهبة حماساً وقوة نشرح كفاحها السلمي وجهادها الشريف ، وتضرب المثل الأعلى للمجاهدين العاملين ؟

أسمعت ذلك الصوت الجهوري يفيض إيمانا وصدقاً فيخترق المهج ويسكن قراره المؤمن ؟ ذلك هو صوت السيد عبدا لله كوليام اسلم الانجليزي في قاعة جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة .

ذلك الرجل العريق في الإسلام الذي طالما سمعنا باسمه وعلمنا أنه أقدم داع إلى الحنيفية القراء في بلاد لم تعرف الإسلام معني ولا لهيكله مبنى .

دوى صوته وراء البحار فخشع له كثير من النفوس ، واهتدت بهديه جماعة تلو جماعة ، وأخيرا دوى صوته في مصر مهد الإسلام فجدد في نفوس بنيها دم الغيرة والجهاد ، وبث في قلوبهم نور الأمل والرجاء وقف السيد عبد الله يُبرهُ بقوله وعمله على أن الدين الإسلامي لا يحتاج إلى آلة تفرز في النفوس ، بل هو قابل بطبعه وتكوينه للنمو والانتشار ، لا يكلف الداعي إليه ماتتكفه تلك الشرذمة الخاطئة من طغاة المبشرين في نشر اضاليهم وترهاتهم ، وما أشبهالإسلام في سناه وجاذبيته بالكوكب الوضاء يتألق ترنو إليه الأبصار وتشرئب نحوه الأعناق ، ويهتدي كل ناظر إليه بما يشع من ضياء ونور ، أو كتيار الكهرباء ما هو إلا أن تحمله الأسلاك فيخترق البحار والممالك قبل أن يرتد إليك طرفك .

وعجيب أن يقول الأستاذ الانجليزي الذي تربى في مدارس انجلترا وجامعاتها بصريح العبارة ما معناه ( لا يمكن أن ضيع أمة فيها القراَن الكريم وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) ويقول أغرار شباننا وأدعياء الفلسفة عن القراَن والدين ما يقولون ، ولكن لا عجب فإنما هي الهداية الربانية تحل بقلب المؤمن فيرى الحق حقاً ويعمل على نصرته (( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون )) ..

وعجيب أن تستولي عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم على نفس الأستاذ الانجليزي فسأتي بالأدلة والمثل على أنها فاقت كل عظمة للكاشفين والمخترعين والحكماء وغيرهم ويحاول بعض كتابنا المساكين أن يغضوا من تلك العظمة القدسية ، وما هم في ذلك إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغيه .

فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه تناطق بفم ولكن الهوى ، وأن على قلوبهم فأصمهم واعمي أبصارهم (( أفلا يتدبرون القراَن أم على قلوب أقفالها )) .؟؟

وعجيب أن يدعو الأستاذ عبد الله كوليام إلى الوحدة الإسلامية والأخوة الإيمانية معتقداً أنها المقصد الأسمى لدين الإسلام مؤيداً قوله بما علم عن الله ورسوله ، وترى المصلين في هذه الفرقة والاختلاف وهم يسمعون ويتلون ويتلى عليهم قول الله تعالى (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيماً لست منهم في شيء )) ....!! وعجيب أن يثبت الأستاذ الانجليزي إنصاف الإسلام للمرأة مدللاً على أنه تشريع ضمن لها حقها وسعادتها ، وانه تمكن من حل معضلات هذه الموضوع بما لم يوفق إلى مثله فلاسفة العالم حتى اليوم ، وأنه غالي بقيمتها وأعلى من قدرها بما لم تصل إليه أرقى أمم الحضارة المدنية ونذكر من ذلك ترجمته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجنة تحت أقدام الأمهات) ، ويدعي بعض الحمقى والمفتونين في هذه الأمة أن الإسلام ظلم المرأة وهضم حقها ! .. (( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا )) .

فعجب أن يقوم الأستاذ عبد الله كوليام بفريضة الدعوة إلى الله حق القيام ويتغافل عنها أهلها ، وأحق الناس بها ، متعلقين بالأماني والأحلام ، حتى مكن الله للعدو في دارنا وأدال لو منا ، ولا أجد لنا مثلا في ذلك إلا قول معن بم أوس :

ورثنا المجد عن آباء صدق

                        أسأنا في ديارهم الصنيعا

إذا الحسب الرفيع تواكلته

                        بناه السوء أو شك أن يضيعا

فهل لم يأن للذين اَمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ، وما نزل من الحق ، فلينفضوا عنهم غبار الخمول ، وينهضوا نهضة الله ورسوله ، ينصرون بها دينهم ، ويستجيبون فيها لربهم ، ويبرهنون للعالم أنهم على قدم أسلافهم الأولين الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه؟؟ وأن تكون عاقبة نهوضهم بدينهم إلا خير لهم ، وكبتاً لعدوهم ، وعزة لبلادهم ، ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )) ...

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة