في الوقت الذي تتواصل فيه محاكمة 4 متهمين في القضية المعروفة إعلاميا بـ"رشوة وزارة الصحة"، وبينهم طليق وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد، والتي كُشف عنها في أكتوبر 2021؛ فقد تفجرت قضايا فساد جديدة وسطو على أموال الدولة من قبل مقربين من النظام الحاكم.

تلك الجرائم تأتي في ظل معاناة الدولة من أزمات مالية وتراجع للاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، ووسط ضغوط اقتصادية وحاجة للأموال لتوفير السلع الأساسية مع بلوغ الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الرابع، وذلك بجانب عجز الموازنة وتوجيه النسبة الأغلب منها لتسديد الديون الخارجية.

"جرائم مرتبطة بالكبار"

ولم تكد تهدأ مشاعر الغضب في الشارع المصري إثر حكم قضائي في 6 يونيو الجاري بإفلاس "صيدليات 19011"، والتي ارتبطت في بداياتها بأجهزة سيادية، وسطا أصحابها على نحو 7 مليارات جنيه من أموال البنوك، تداولت أنباء هروب رجل أعمال مصري بأموال البنوك.

وأكدت مواقع صحفية مصرية الخميس الماضي، هروب صاحب شركة "بيت الخبرة للإيجار التمويلي" خالد عبدالله، لينضم إلى العشرات من رجال الأعمال والمسؤولين الهاربين في العاصمة البريطانية لندن، وذلك بعد الاستيلاء على 10 مليارات جنيه من 4 بنوك مصرية منها "سايب" و"البركة"، و"فيصل الإسلامي".

عبدالله، الشهير بلقب "إمبراطور التمويل"، أحد رجال الأعمال المقربين من النظام، ويعمل في السوق المصرية طوال عهد قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ولم يتعرض خلالها لأية مضايقات أو أزمات ككثير من رجال الأعمال الذين سطا النظام على أموالهم وبينهم صاحب شركة "جهينة" صفوان ثابت، وغيره.

المثير للجدل أن مسؤولين كبار يشاركون في إدارة "مجموعة بيت الخبرة"، بينهم الرئيس التنفيذي للمجموعة رئيس وزراء مصر الأسبق في عهد السيسي، إبراهيم محلب، ومحسن عادل رئيس هيئة الاستثمار السابق ونائب رئيس البورصة المصرية سابقًا.

كما أن هروب رجل الأعمال بهذه المليارات يأتي في ظل معاناة البنوك المصرية الحكومية والخاصة من ضعف التمويل، واضطراب سوق الصرف، وقرارات حكومية برفع سعر الفائدة في مارس، ومايو الماضيين.

وفي سياق جرائم السطو على أموال الدولة، وفي 20 يونيو الجاري، جرى الكشف عن جريمة استيلاء موظف كبير في البنك الأهلي المصري على مبلغ 22 مليون جنيه (1.2 مليار دولار) من أموال المودعين في البنك وتحويلها إلى أمريكا قبل أن يهرب إليها.

واقعة السطو على أموال البنك الأهلي صاحب أكبر محفظة لودائع العملاء في مصر، بنحو 2.40 تريليون جنيه بنهاية مايو الماضي، تأتي إثر تحصل البنك على 550 مليار جنيه من أموال المودعين من بيع شهادات الـ 18% التي طرحتها الحكومة الشهرين الماضيين.

وفي واقعة خامسة مثيرة، تحقق نيابة أمن الدولة العليا بالقضية المتهم فيها المستشار سامي محمود علي عبدالرحيم (56 سنة) القاضي بمحكمة استئناف الإسماعيلية، بالحصول على رشاوى من رجال أعمال وتجار مخدرات وأسلحة كانوا متهمين لديه في المحكمة التي يرأسها، مقابل منحهم أحكاما بالبراءة.

ويعد القاضي المتهم من رجال القضاء المقربين من النظام، وأُسندت إليه العديد من القضايا التي أدان فيها أعضاء وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، بينهم المرشد العام محمد بديع، والقياديان محمد البلتاجي وصفوت حجازي و92 آخرون بالسجن المؤبد 25 عامًا.

وإزاء الوقائع الخمسة وغيرها، طالب البعض البنك المركزي والسلطات النيابية والقضائية المصرية بتحقيق عادل وشفاف حول تلك الجرائم ومدى ارتباطها بشخصيات نافذة سهلت عمليات السطو على أموال البنوك.

"فساد بالأمر المباشر"

ورغم أن مصر تعلن عن محاربة الفساد، وقامت في ديسمبر 2021، بتنظيم المؤتمر الدولي لمكافحة الفساد بمدينة شرم الشيخ بحضور 76 دولة؛ فإن الفساد على أرض الواقع طال أغلب قطاعات الدولة خاصة في ظل قرارات إسناد المشروعات بالأمر المباشر، وسيطرة الجيش على أغلب المشروعات ومنحه الأعمال من الباطن لشركات ومقاولين أصغر.

وأكد مهندس ومقاول أن "الفساد صار بالأمر المباشر"، موضحًا أنه "في تلك الإسنادات فالفساد لا حدود له، إذ إنه لكي يحصل أي مقاول أو شركة على مقاولة من الباطن فعليه أن يدفع رشوة أو إتاوة لمن يدير تلك المشروعات من شخصيات عسكرية".

وأوضح أنه "في مقابل التزام الشركة أو المقاول بالاشتراطات القاسية، وغرامات التأخير أو جزاءات مخالفة المواصفات، فإنها طوال فترة عملها يتعين عليها تقديم تنازلات كثيرة لمن يدير المشروع ومن يشرف عليه من الجهات الأعلى، ومن يرفض "تفتيح مخه" يتم عقابه بعدم تسلم المشروع وتأخير المستحقات".

تلك الحالة من الفساد في مصر، عبر عنها التقرير السنوي لـ"مؤشر مدركات الفساد في العالم" الصادر عن منظمة "الشفافية الدولية" في يناير الماضي، والذي احتلت فيه مصر المرتبة الـ11 عربيًا والـ117 عالميًا، من 180 دولة، عن عام 2021، وهي الدرجة المتدنية التي ظلت عليها مصر منذ تقرير 2020.

"غياب المراقبة والمحاسبة"

السياسي والإعلامي المصري المعارض الدكتور حمزة زوبع، أعرب عن أسفه لأنه "في ظل غياب منظومة للمراقبة والمراجعة والمحاسبة فإن الفساد ينتشر ويتوغل وينتشر انتشار النار في الهشيم".

وأكد زوبع أن "المشكلة ليست في وقوع الفساد فهو واقع لا محالة وفي أي مكان في العالم؛ والمشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية والتي ينبع منها طريقة منع الفساد ومقاومته من حيث البداية وطريقة مراقبة أي عمليات فساد ثم محاسبة الفاسدين".

وقال إنه "من الواضح غياب كل ذلك، فليس لدينا طريقة فاعلة للمنع ولا للمراقبة والمراجعة ولا المحاسبة، وكما يُعرف فإن (السمكة تفسد من رأسها)، ومن يتم القبض عليهم والتشهير بهم ليسوا سوى جزء من ذيل السمكة".

وتابع: "غياب أي رقابة حقيقية مع غياب الإرادة السياسية في بلد يصرف جل جهده في مراقبة المواطنين العاديين والمعارضين، فليس لديها وقت ولا جهد لتتبع الفاسدين، وفي مثل هذه الحالات لا تتوقع أن يُحاسب فاسد أو يُحاكم مُفسد بل توقع المزيد".

ثمة أمر آخر يراه زوبع، وهو أن "التعديلات الدستورية –تمت عام 2019- والتكييف القانوني منذ الانقلاب وحتى اليوم يسمحان لأي فاسد ومفسد العيش بأمان طالما في صف السلطة وجزء من أدواتها".

وختم بالقول: "ما يحدث بمصر اليوم هو الفوضى المنظمة، إذ تستطيع عصابات نهب الأموال العمل بحرية وتنقل ثروة البلاد للخارج".

"قواعد الفساد الثلاث"

وفي تعليقه قال الخبير في مجال الإدارة والتنمية الدكتور هاني سليمان، إن "قواعد الفساد ثلاث؛ السلطة المستبدة، ورأس المال الانتهازي، والقضاء الفاسد".

وأكد أن "الأطراف الثلاثة تشكل دائرة مفرغة يؤدي أولها للثاني ثم الثالث، وغالبًا لا يوجد منها مفر بالمجتمعات التي تتحكم فيها السلطة المستبدة"، مبينًا أنه "لو طبقنا هذا الكلام على قضايا الاستيلاء على المال العام التي جرت مؤخرا بمصر، لوجدنا الأطراف الثلاثة حاضرة بقوة".

ويرى أن "معظم ناهبي المال العام لهم علاقة بالسلطة بطريقة أو بأخرى، فإما أن يكونوا شركاء مباشرين بالسلطة أو على صلة قريبة منها، أو على الأقل يدّعون هذه الصلة"، لافتًا إلى أن "هذه السلطة المستبدة الفاسدة تتيح لهؤلاء اللصوص الكبار الاستيلاء على المال العام".

وأضاف: "إما عن طريق الرشاوي كما بقضية وزارة الصحة، أو عن طريق المشروعات الوهمية كما بقضية صيدليات 19011، أو في شركات بيت الخبرة للملياردير الهارب خالد عبدالله، الذي استولى على 10 مليارات جنيه من البنوك المصرية، بحماية مباشرة أو غير مباشرة من تلك السلطة".

سليمان، أكد أنه "حتى موظف البنك الأهلي الشاب الذي فر بـ 22 مليون جنيه من أموال المودعين، لم يكن ليجرؤ على القيام بهذا إلا بمعرفته أن السلطة متراخية وأن الرقابة نائمة، وأنها لن تلتفت إليه في وجود هؤلاء الحيتان الكبيرة التي تسرق المليارات".

دور القضاء

ولفت إلى "دور القضاء الفاسد، والذي تعينه وتقيله وتأمره وتوجهه السلطة المستبدة، فيتغاضى عن الفساد ويسمح به، بل ويتراخى بتطبيق القانون على من يمارسه، ويسمح له بممارسته، ثم يتيح له بالنهاية الهروب بعدما ما نهب كفايته أو أوشك أمره على الاكتشاف، بأوامر مباشرة من السلطة".

ويعتقد أنه "للقضاء على الفساد ونهب المال العام، يجب أولا التخلص من تلك السلطة المستبدة الفاسدة، فهي بداية دائرة الفساد وهي رأس الأفعى القاتلة، لتأتِ سلطة عادلة نزيهة صالحة، لا تسمح بالفساد ولا تنشره، وهي تعين قضاء عادلا نزيها، يقوم بدوره بمحاسبة الفاسدين والقضاء عليهم".