بقلم العلامة الدكتور / يوسف القرضاوي :

محتويات

    ١ تقديم
    ٢ الفصل الأول - معنى الإخلاص وضرورته للسالكين إلى الله
        ٢.١ تمهيد
        ٢.٢ الإخلاص من ثمرات التوحيد الخالص
        ٢.٣ ضرورة الإخلاص للسالكين
        ٢.٤ الإخلاص مطلوب لصلاح الحياة
    ٣ الفصل الثاني - أهمية النية في تحقيق الإخلاص
        ٣.١ استحضار النية وتجريدها لله
        ٣.٢ أهمية النية في القرآن الكريم
        ٣.٣ أهمية النية في السنة
        ٣.٤ حقيقة النية
        ٣.٥ النية إرادة جازمة
        ٣.٦ النية محلها القلب
        ٣.٧ الأعمال بمقاصدها
        ٣.٨ تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته
        ٣.٩ النية ومقاصد الشريعة
        ٣.١٠ أثر النية في المباحات والعاديات
        ٣.١١ النية لا تؤثر في الحرام
        ٣.١٢ إخلاص النية أساس القبول
        ٣.١٣ صعوبة تحقيق الإخلاص
        ٣.١٤ أهمية الإخلاص للدعاة والعلماء
    ٤ الفصل الثالث - فضل الإخلاص وخطر الرياء
        ٤.١ فضل النية والإخلاص
        ٤.٢ التحذير من الرياء
    ٥ الفصل الرابع - حقيقة الإخلاص
        ٥.١ تمهيد
        ٥.٢ عناصر مهمة في تكوين الإخلاص
        ٥.٣ تحقيق الغزالي في بيان الإخلاص
        ٥.٤ كلام الغزالي في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به
    ٦ الفصل الخامس- الطاعة والمعصية بين الكتمان والإظهار
        ٦.١ الطاعة بين الكتمان والإظهار
        ٦.٢ كتمان الذنوب
        ٦.٣ حب محبة الناس
    ٧ الفصل السادس- ضرورة الإخلاص لحملة الدعوة
        ٧.١ لماذا كان الإخلاص ضرورة
        ٧.٢ المخلصون هم جند الدعوات
        ٧.٣ خطر الطفيليين - صنفان متمايزان
    ٨ الفصل السابع
        ٨.١ من ثمرات الإخلاص
    ٩ الفصل الثامن
        ٩.١ من بواعث الإخلاص



ما سبق نشره :  النية والإخلاص (4/2)


الفصل الخامس- الطاعة والمعصية بين الكتمان والإظهار

الطاعة بين الكتمان والإظهار
ينبغي على المؤمن السالك الطريق إلى الله تعالى: أن يجتهد في إخفاء طاعاته، وستر أعماله الصالحات عن أعين الخلق وآذانهم ما استطاع، مكتفيا بأن الله تعالى يسمع ويرى، وأن الخلق لا يملكون له ضرا ولا نفعا، وأن رضوان الله تعالى ومثوبته فوق رضا الخلق وثنائهم.
وهذا بالنسبة إلى النوافل والتطوعات، أما الفرائض والأركان، فهذه يجب إظهارها، تعظيما لشعائر الإسلام، وإبرازا لقوة تمسك المسلمين به، ومنعا للتهمة وإساءة الظن بالمسلم أن يظن به تضييع ما فرض الله عليه، وضربا للمثل حتى يقتدي به غيره، ويتشبه به الآخرون، فإن الخير يغري بالخير، والصلاح يدعو إلى الصلاح.
هذا هو الأصل في الفرائض: الإظهار والإعلان، أما الأصل في النوافل فهو الإخفاء والكتمان.
ومع هذا يمكن أن تظهر نوافل الطاعات والصالحات من المسلم من غير قصد لإظهارها مراءاة للناس، وقد يفرح بذلك ويبتهج، فرح الإنسان بكل خير حققه لنفسه.
أ. وهو فرح محمود إذا كان شكرا لله تعالى على نعمة التوفيق للطاعة، وحسن لطفه سبحانه بإخفاء السيئات وإظهار الحسنات، كما قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
ومن أذكار الصالحين: سبحان من أظهر الجميل، وستر القبيح!
ب. وللتفاؤل بأن يفعل الله تعالى معه ذلك في الآخرة كما فعله في الدنيا، أي يستر مساوئه، ويظهر محاسنه، كما في القول المأثور: "ما ستر الله على عبده في الدنيا إلا وستر عليه في الآخرة".
وفي معناه قال الشاعر:
كذلك يحسن فيما بقى!
لقد أحسن الله فيما مضى
فيكون الفرح الأول فرحا بالقبول في الحال، من غير ملاحظة للاستقبال، والفرح الثاني التفاتا إلى حال المال، وحسن المنال.
ج. وقد يكون فرحه بظهور الطاعة، لأنه سيكون حافزا لغيره، ليقتدي به، ويحذو حذوه، فيكثر الصالحون، ويزداد عدد المطيعين لله تعالى، ويتسع نطاق الخيرات، والأعمال الصالحات، فيتضاعف الأجر عند الله تعالى.
د. وقد يكون فرحه، لأن المطلعين على عمله سيحبونه في الله، ويرضون عنه، ويثنون عليه، وبهذا يثابون على ذلك، ويدخلون في أوثق عرا الإيمان، فقد جاء في الحديث: "أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله"، وفي حديث أنس المتفق عليه: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"… الحديث.
ويعرف صدق هذه الدعوى ـ دعوى فرحه بإثابة الناس لحبهم له في الله، أو في فرحه باقتدائهم به في عمله ـ إذا استوى عنده مدحه ومدح غيره من الصالحين.
هـ. ومما يحمد لأجله إظهار العمل الصالح: ترغيب الآخرين فيه، وسن السنة الحسنة ليقتدى بها فيهتدى، وفي صحيح مسلم من حديث جرير بن عبدالله: "من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
وقد أمر الأنبياء والرسل بالإظهار للطاعات، لأن الله تعالى جعلهم أسوة لأتباعهم، كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).
ومثل الأنبياء: خلفاؤهم وورثتهم من العلماء والدعاة والصلحاء، من كل من يقتدى به.
وقال الحسن: قد علم المسلمون أن السر أحرز العملين، ولكن في الإظهار أيضا قد تكون الفائدة.
فلذا أثنى الله على السر والعلانية، فقال تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم).
وقال: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
وقال علي رضي الله عنه: تصدقت بدرهم في ليل وآخر في النهار، وبدرهم سرا، وآخر علانية، عملا بالآية.
وبهذا يكون قد عبد الله في كل الأوقات، وعلى كل الأحوال، وإن كان الإسرار بالصدقة أفضل، وخصوصا إذا خشي على نفسه الرياء، والفتنة بمحمدة الناس، أو كان في الإسرار رعاية لحرمة الفقير، وحفظ لكرامته، لا سيما إن كان من المستورين المتعففين، الذين وصفهم القرآن بقوله: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا).
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن "السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" ذكر أحد الأصناف، وهو: "رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه".
وهذا هو المقام الأعلى، ولكن إذا أبدى الصدقة، أو أظهر العمل الصالح، لسبب من الأسباب التي ذكرناها من قبل، فلا حرج عليه، والواجب عليه أن يفتش عن دخيلة نفسه، ويحترس من خداعها، فإنها أمارة بالسوء، خداعة غرارة، وليحذر ما استطاع من الرياء، فربما كان هناك رياء في غاية الخفاء، يتسلل إليه، وهو لا يشعر، فيحبط عمله، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، وهنا لابد له من الاستعانة بالله جل وعلا، والبراءة من الحول والقوة، واللجوء إلى حول الله سبحانه وقوته، ومن الدعاء المأثور: "اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".
كتمان الذنوب
وإذا كان الشرع قد جاء بالرخصة في إظهار الطاعات، وخصوصا الفرائض بل والنوافل في بعض الأحيان، لتحقيق أهداف ذكرناها، فإنه لم يشرع إظهار المعاصي والإعلان عنها، بل أمر بإخفائها إن وقعت، وكتمانها عن الغير ما استطاع، لا مراءاة للناس، ولا طلبا لثنائهم، وظهورا بصورة يحبونها، وإن كانت غير صورته الحقيقية.
بل إنما يحمد كتمان الذنوب، وكراهة إطلاع الناس على العيوب، لعدة أسباب:
أولا: لأننا مأمورون إننا إذا ابتلينا بمعاصي الله أن نستتر بستره سبحانه، ولا نفضح أنفسنا، وفي الحديث: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى".
من أجل هذا يكره ظهور المعصية من غيره، كما يكرهها من نفسه، وفي الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ومفهومه: أن يكره له ما يكره لنفسه.
وثانيا: للتحامي عن هتك ستره، وظهور أمره، خوفا من سقوط وقع المعاصي من النفس، وجرأتها عليها، فإن النفس متى ألفت ظهور الذنوب، زاد انهماكها فيها، واسترسلت في شهواتها بارتكابها، ولم تبال باجتنابها.
وهذا الخوف من هتك الستر في الدنيا يتبعه خوف من الهتك في الآخرة، وهو أشد وأخزى. ولهذا يقول الطيبون: اللهم كما سترت علينا في الدنيا، استر علينا في الآخرة، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد، يوم العرض عليك.
وثالثا: لئلا يقلده غيره، فيكون سببا في انتشار معاصي الله في الأرض، وتجرئ الناس عليها، فحسبه أن يتورط هو في المعصية، ويسأل الله التوبة والمغفرة، ولكن لا يظهرها فتشيع وتتسع، فإنها تعدى كما يعدى الأجراب السليم، وتؤذي كما يؤذي نافخ الكير جاره، فإذا غرق هو، فهو يكره أن يغرق غيره معه.
ولهذا ينبغي للعاصي أن يخفي معصيته حتى عن أقرب الناس إليه، مثل أهله وولده، وخادمه، حتى لا يتأسوا به.
ورابعا: ليكون في مظنة العفو والمعافاة من الله تعالى، ولا يدخل في زمرة المتبجحين المجاهرين بالسوء، المتفاخرين بما ارتكبوا من موبقات، وما اصطنعوا من مغامرات، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح، وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه".
وخامسا: ليكون من أهل الحياء، الذين يمنعهم حياؤهم وسلامة طبعهم من إظهار المعصية، وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال: "دعه، فإن الحياء من الإيمان".
وفيهما عن أبي هريرة: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان".
وفيهما عن عمران بن حصين: "الحياء لا يأتي إلا بخير".
وسادسا: ليدخل في زمرة المشهود لهم من الأمة بالخير، والناس شهداء الله في الأرض، وكما قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في جنازة مرت فأثنوا عليها خيرا فقال: "وجبت"، وأخرى أثنوا عليها شرا" فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلم يموت يشهد له أهل أربعة أبيات من جيرانه الأدنين: إنهم لا يعلمون إلا خيرا، إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه، وغفرت له ما لا تعلمون".
وسابعا: لئلا يتسبب في ذم الناس له، فيقعوا في المعصية بسبب هذا الذم، أو بتجاوزهم الحد، حتى يذم بما ليس فيه، أو بأكثر مما فعل، كما هو المعتاد في مثل هذه المواقف، وهو لا يحب أن يعصى الله تعالى بسببه، ويكفيه ما ابتلي به من معصية، وهو لهذا يتألم إذا ذم الناس غيره من العصاة كما يتألم لذم نفسه.
وثامنا: لئلا يتألم بذم الناس إذا اطلعوا على معصيته، فإن الذم مؤلم للقلب، وهذا أمر جبلي فطر عليه الإنسان، كما أن الضرب يؤلم الجوارح بالطبع، وربما صار هذا التألم ـ وخصوصا إذا استمر واشتد ـ مانعا من الخشوع في العبادة، بسبب الانفعال والتوتر الناشئ عن تألمه.
ولا جناح على المسلم أن يبتعد ويهرب من كل ما يؤلم جسده أو قلبه، فليس هذا بحرام.
وإن كان المقام الأعلى أن تزول عنه رؤية الخلق، فيستوي عنده ذامه ومادحه، لعلمه أن الأمر كله بيد الله تعالى، وأنه هو الضار النافع، وأن العباد كلهم مقهورون تحت سلطانه، روى الترمذي من حديث البراء بن عازب وحسنه: أن رجلا قام فقال: يا رسول الله، إن حمدي زين، وإن ذمي شين! فقال عليه الصلاة والسلام "ذاك الله عز وجل".
وتاسعا: لخوفه أن يقصد بسوء أو أذى إذا ظهرت معصيته، وهذا أمر وراء الذم، فإن الذم مكروه من حيث يشعر القلب بنقصانه، وإن كان ممن يؤمن شره، وهنا يخاف شر من يطلع على ذنبه، ولا حرج على المسلم أن يجنب نفسه الأذى بتجنب أسبابه ما استطاع.
حب محبة الناس
ولا جناح على المسلم إذا كان يحب من الناس أن يحبوه ويوادوه، فهذا أمر فطري في الإنسان: أن يحب ويحب.
ومن ناحية أخرى، هو يرجو أن تكون محبة الناس، ولا سيما أهل الخير منهم، دليلا على محبة الله تبارك وتعالى، فهو الذي وضع له القبول في قلوب عباده، وستر قبيحه، وأظهر جميله، وقد قال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)، فهو يرجو أن يكون منهم، فإن من أحبه تعالى جعله محبوبا في قلوبهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل، فقال: إن الله قد أحب فلانا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
وأرفع من هذا المقام: أن يكون أكبر همه حب الله تعالى، ورضاه سبحانه عنه، ولا يبالي أرضي الخلق عنه أم سخطوا، أحبوا أم كرهوا، على حد قول القائل:
وكل الذي فوق التراب تراب!    إذا صح منك الود فالكل هين
وإذا تعلق قلبه بحب بعض الناس فلأنهم أحباب الله تعالى كالذين وصفهم الله تعالى بقوله: (يحبهم ويحبونه). وفي الأدعية المأثورة: "اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك".


الفصل السادس- ضرورة الإخلاص لحملة الدعوة

لماذا كان الإخلاص ضرورة
إن العمل لسيادة الإسلام وعودته لقيادة الحياة بعقيدته وشريعته وأخلاقه وحضارته، إنما هو عبادة وقربة إلى الله عز وجل من ناحية، وجهاد في سبيل الله من ناحية أخرى. وتجريد النية لله في هذه العبادة وذلك الجهاد: أمر أساسي لقبول العمل ولنجاحه معا، فالنية المدخولة تفسد العمل، وتلوث النفس، وتضعف الصف، وتحبط الأجر. والنية الصالحة، تصلح العمل، وتقوي العزم، وتفسح الطريق، وتعين على إزالة العقبات، قال تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فدل على أهمية الإرادة والنية في إنجاز المهمة المنشودة، فهي سبب توفيق الله تعالى وتأييده.
وقد كتب سالم بن عبدالله إلى عمر بن عبد العزيز ناصحا له، فقال: اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله له، ومن نقصت نيته نقص قدره.
ولهذا السر بدأ الإمام البخاري كتابه "الجامع الصحيح" بهذا الحديث الذي عده بعض العلماء ربع الإسلام أو ثلثه: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وقد روى أن رجلا هاجر إلى المدينة من أجل امرأة يحبها ويريد أن يتزوجها تسمى أم قيس فنسب إليها وقيل له "مهاجر أم قيس".
إن على المسلم العامل للإسلام أن يفتش في زوايا قلبه عن حقيقة نواياه وبواعثه، فإن كان فيها حظ للدنيا أو للشيطان، جاهد أن ينقي قلبه من دخله، وأن يجرد نيته لله، وأن ينذر نفسه محررا لربه، كما قالت امرأة عمران: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني، إنك أنت السميع العليم). وهذه الكلمة من أم مريم: (محررا) توحي بأن سنة الله ألا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا من كل شركة، محررا من كل عبودية لغيره.
إن الحياة لا يسود فيها الحق، وينشر الخير، وتعلو كلمة الإيمان، وتخفق أعلام الفضيلة: بتجار المبادئ، الذين لا يعملون إلا ليغنموا ويستفيدوا في الدنيا، ولا بالمرائين الذين لا يعملون إلا ليراهم الناس، ويسمعوا بهم، ويتحدثوا عنهم، ويشيروا إليهم بالبنان، بل ينتصر الحق والخير والإيمان والفضيلة: بالمخلصين الذين يعتنقون المبادئ مؤثرين مستأثرين مضحين لا مستفيدين، معطين لا آخذين.
المخلصون هم جند الدعوات
إن المخلصين الذين يبتغون بعملهم وجه الله، يسمون فوق المنافع الذاتية والمصالح الشخصية، هم وحدهم جند الدعوات، وحملة الرسالات، وورثة النبوات، وهم الذين ينتصرون بالدعوة، وتنتصر بهم، ولو كانوا فقراء المال، ضعفاء الجاه، مغمورين في الناس، وهم الذين جاء فيهم الحديث الشريف: "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (رواه مسلم).
وقد روى النسائي وغيره عن سعد بن أبي وقاص ـ هو من هو سبقا في الإسلام وقرابة من رسول الله ـ أنه ظن في نفسه يوما أن له فضلا على من دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم".
وهؤلاء الضعفاء المغمورون المخلصون، هم الذين أمر الله رسوله أن يصبر نفسه معهم، ولا يفرط في واحد منهم، ولا تعدو عيناه عنهم، إلى الشخصيات المرموقة في المجتمع، من ذوي المكانة والثراء والجاه، ممن يظن أنهم ينصرون دعوته بجاههم ومنزلتهم في الناس، يقول سبحانه: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا).
إن جندي العقيدة لا يجري وراء المطامع، ولا يخطف بصره بريق الشهرة، ولا يجذب قلبه سطوة الجاه والنفوذ، إن الدنيا ليست أكبر همه ولا مبلغ علمه، إنه ينزلها منزلتها، فلا تزن عنده جناح بعوضة عند الله تعالى، إن أكبر همه أن يتقبله الله في عباده الصالحين، وجنده الصادقين، وحزبه المفلحين. إن وضوح هذا الهدف أمر ضروري للعاملين لنصرة الإسلام، فقد يكون هدفهم إقامة دولة إسلامية، أو حضارة إسلامية، أو مجتمع إسلامي، أو نحو ذلك من الأهداف التي يسعون إليها، ويحرصون على تحقيقها، ولكن هدف الأهداف، وغاية الغايات من وراء ذلك كله، هو: رضوان الله عز وجل وابتغاء ما عنده، ومن أجل ذلك يستمرئون المر، ويسترخصون كل تضحية مادامت في سبيل الله.
خطر الطفيليين - صنفان متمايزان
خطر الطفيليين
وعلى رجال الدعوات أن يحذروا على صفوفهم من الطفيليين الطامحين الطامعين، الذين يتسللون إلى الجماعات المؤمنة تسلل الميكروبات إلى الجسم السليم، ويتسلقون على أكتاف الآخرين، كلامهم كثير، وعملهم قليل، يقلون عند الفزع، ويكثرون عند الطمع، حتى تكشفهم المحن، ويميز الله الخبيث من الطيب.
أجل.. إن شر ما تصاب به الدعوات الربانية، هم أولئك المحتالون، الذين يتخذونها قنطرة إلى مآربهم، وسلما إلى مطامعهم، متظاهرين بالتقوى، متوسلين بالقول المعسول، والحماس المفتعل، والملمس الناعم، وباطنهم خراب، وقلوبهم هواء! هؤلاء هم الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي يغترون أم علي يجترئون؟ فبي حلفت: لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا".
صنفان متمايزان
ولقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى صنفين متمايزين متباينين: صنف يعيش لنفسه وشهواته، عبدا للمال والزينة والأبهة، يسير وراء مصلحته وشهوته أنى سارت، فإن تحققت رضي وأثنى، وإلا ذم وسخط.
وصنف يعيش للحق وحده، مستعدا للجهاد والبذل، غير منتظر منفعة ولا شهرة، حيث وضع، عمل وأنتج، دون ضجيج ولا مباهاة.
في هذين الصنفين جاء الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطى رضى، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش! طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع".