15/12/2009

حوار / عمر الطيب ، وحنان السيد
تصوير : عادل محمد
يختلف الأمر بالنسبة لشخصية مثل شخصية م / أحمد عباس ، الذي مر بتجربة غاية فى الغرابة ، فصاحب الوجه الهش البشوش دوماً حاصرته جحافل أمنية فى الأسكندرية لتختطفه من بين زوجته وأطفاله ، ليجد نفسه قد خرج من قضية دعم غزة إلى قضية تنظيم دولي لاكتها الصحف وصاغت فصولها الدرامية !
تمخض جبل الأهرام فى قضية التنظيم الدولي ليلد فأراً ، تم تصفير القضية ، وخرج كل المعتقلين على ذمتها .
الحوار سيطرت عليه أجواء إيمانية ، وشعور لا ينقطع بمعية الله ، وفضله والحياة فى كنفه ورعايته ، لكن الوجه البشوش اكتسته ملامح الجد فجأة ، وهو يؤكد جُرم الجناة فى تلك القضية ، وأن الإخوان سائرون على دربهم بما ارتضوه ، سواء غّير النظام من ممارساته ، أو ثبت عليها .
الحقيقة أنه يصعب توصيف الخصومة بين الفريقين ، والجزم بأن النظام المتهالك ساعدته الأقدار عندما واجه عدواً تمتزج مسيرته بالطهر والشرف ، أم هو بذلك يكتب آخر صفحات نهايته .
لكن فريقاً على يقين أن الله معه ، فى مواجة نظام يلعب على موازنات الخارج ، ومعاناة شعب خارج لتوه من بين ثنايا آلة الحرب الصهيونية الإجرامية ، أعتقد أن الغلبة ستكون له .
*إعتقالك فى شهر مارس كان نقطة البدء لحملة تصفية الحسابات ضد الإخوان رداً على فاعليات نصرة غزة ـ هكذا قيل ـ هل تعتقد أن هذه الرؤية صحيحة ، وهل لديك من المعلومات ما يؤكدها ؟؟
**القضية لم تتعدى فعلاً مسألة تصفية الحسابات ، وكان واضحاً أن كل الأسئلة فى النيابة و محضر التحريات تدور حول جمع تبرعات لغزة ، ومساعدة أهل غزة ، بالإضافة إلى التهم المكررة فى هذا الإطار !
أنا اعتقلت فى 2/3 على ذمة القضية المعروفة بإسم د / مصطفى الغنيمي ، وتنقلت فى هذه الفترة بين أمن الدولة فى مدينة نصر، وسجن المحكوم ، ونيابة أمن الدولة ، حيث حصلت على إخلاء سبيل ، قبل أن أمكث3أيام فى مقر مباحث أمن الدولة بطنطا ، ويصدر قرار بإعتقالي ، وأرحَل إلى وادي النطرون . إلى أن تم إخلاء سبيلي فعلياً ، لكنني لم أمكث بالخارج إلا فترة قليلة ، حيث تم إعتقالي من جديد على ذمة قضية أخرى .
*بعد خروجك بأيام تم الزج بإسمك فى قضية أشد تعقيداً هي قضية التنظيم الدولي ، ماهي ملابسات ذلك ؟
**القضية المسماه بالتنظيم الدولي تعرفت عليها من خلال الصحف ، ولم يكن بيننا وبينهم أي رابط ، لكن أحد الأخوة أخبرني بعد أيام من الإفراج عني أن اسمي نشر فى تحقيقات الأهرام ، ولما رجعت إلى الجريدة فوجئت أنني معتقل على ذمة القضية ، وبالفعل تم ضم خمسة من معتقلي قضية د / الغنيمي إلى التنظيم الدولي هم : د/ محمد وهدان ، وم/ خالد البلتاجي ، أ / عادل عفيفي ، وم / مسعد قطب ، ود / عثمان النادي ، وكنت أنا السادس ، لكن الغريب فى الأمر أنني كنت مطلق السراح فى ذلك الوقت ، على العكس منهم .
ماذا فعلت بعدما ذكر أحمد موسى إسمك ضمن قضية التنظيم الدولي على صفحات الاهرام ، هل تغير نمط حياتك ؟
** لا كنت أتحرك بشكل طبيعي ، وذهبت إلى الأسكندرية لقضاء بعض الوقت مع زوجتي وأولادي ، لكنني قررت أن اسلم نفسي ، حينما علمت أنه تمت مداهمة منزل أسرتي فى المحلة أثناء حفل خطبة أحدى بنات الاسرة بشكل همجي ، و تم التعامل بطريقة غير إنسانية مع الحضور، وإتصلت بالمحامي للإتفاق معه على ذلك ، لكن حينما خرجت من نادي المهندسين بالاسكندرية فوجئت بسيارة تلاحقني ، وفى لحظة حاصرني حوالي 50 شخصاً على طريقة الأفلام الأمريكية ، وأخرجوني من سيارتي بالقوة ، وحملوني أمام أطفالي ووضعوني فى إحدي السيارات ، و لما سألتهم زوجتي من أنتم : قالوا مباحث الأموال العامة ، وبعدها استقبل الضابط سيل من المكالمات ، فضحكت وقلت ليست لدي مشكلة مع cia أوالموساد ، ليتم إختطافي بهذا الشكل ، ونقلت إلى مقر أمن الدولة ثم إلى سجن المرج .
*هل كانت الإتهامات هذه المرة تدور فى نفس الإطار السابق ؟
**الإتهامات هذه المرة كانت مختلفة ، وكانت تتحدث عن تدريب على عمليات إرهابية ، وغسيل أموال ، وعلاقات بشخصيات رسمية مثل رئيس مجلس النواب العراقي .
*ماذا كان شعورك وأنت تختطف من الشارع تحت سمع وبصر زوجتك وأبنائك بهذه الطريقة المأساوية ؟
**الموقف كان شديد الصعوبة على الأبناء الصغار (عائشة ، وخالد) لكن صلابة الزوجة أثناء عملية إختطافي ، وماتلاها ، بعث فى نفسي بشيئ من الإطمئنان ، أما أنا وقد خرجت من الحدث ، فقد هدأت نفسي ليقيني أن الذى اختطفنى ليس ملك الموت وأنه ما زال امامى فى العمر بقيه ، وبالنسبة لباقي أبنائي فقد تعودوا على هذا الأمر ، والله سبحانه وتعالى ألقى فى قلوبهم السكينة والإطمئنان، كما أن إستيعاب الزوجة للحدث ساعدهم فى الخروج من ماساوية الموقف .
و خوفي كله كان على خالد الصغير ، كنت قلق أن تترك عملية إختطاف والده شيئ من الضغينة فى نفسه ، لكن والدته عالجت الأمر بشكل جيد .
*الحياة فى ظل المطاردة ، كيف كانت تبعاتها عليك وعلى أسرتك ؟
**لم أعش فى ظل أي مطاردة ، الأوضاع كانت طبيعية جداً ، وكنت على وشك تسليم نفسي بعد ماقرأته فى الأهرام .
*هل رتبت افكارك ، وضبطت شئونك على أنك ستبقى رهن الإعتقال لفترة طويلة ، وأن هذه المرة ليست كسابقاتها ؟
** كنا على يقين أن الله سيخرجنا من هذا الأمر ، كنا مع الدعاء والإستغاثة واللجوء الى الله نشعر أن السماء تهتز ، كما أن أحد الإخوة رأى فى المنام رؤيا ، تؤكد أنه لن يكون هناك أحد من الإخوان فى هذه القضية بعد يوم 2/12 وقد كان .
وكنا على الدوام نرفع شعار نذهب ـ إلى النيابة ـ بالأمل ، ونرجع بالرضا بقضاء الله .
*متى شعرتم أن إنفراجة حدثت فى القضية ؟
** شعرنا أنه حدثت إنفراجة فى القضية بعد خروج م / مسعد قطب ، ود / عثمان النادي ، ووصولهم إلى منازلهم ، وبعد الإفراج عن أ / عبد الرحمن الجمل (71عام ، الذي يعاني من عدد من الأمراض) أدركنا أن المسألة إنتهت .
*قضية التنظيم الدولي حظيت بعشرات التفسيرات والتحليلات ، ماهو تفسيرك للقضية وأنت كنت جزء منها ؟
** أعتقد أن هذه القضية تم التخطيط لها على عجل ، وأنها كانت قص ولصق ، فمعظم الأخوة تعرفت عليهم للمرة الأولى داخل المعتقل ، فضلاً عن عدم معرفتي بباقي الأخوة فى الخارج ، وأعتقد أنها أعُدت لإرباك الإخوان والضغط عليهم ، لكن النظام نفسه تعرض لضغوط من الخارج بسبب الزج بشخصيات سياسية على وزن إياد السمرائي فى القضية .
* الحياه بدون عائل إشكالية ، كيف تعاملت أسرتك معها ؟
** تعجبت لرعاية الله لأسرتي فى حال غيابي ، والحمد لله ، فقد فوجئت أن إبني طارق (ثانية ثانوي) على ـ سبيل المثال ـ رغم حبه للكرة قد أرسل رسائل محمول يدعوا فيها زملائة لعدم مشاهدة مباراة مصر والجزائر طالما أن مشجعي الفريقين خرجوا عن الروح الرياضية الى حالة إقتتال ، بينما كان أخوه محمد يصلي ويدعوا وقت المباراة ، ولو كنت بينهم لشاهدنا المباراة سوياً ، كما أن الإخوان غبطوني أن أولادي كانوا الأسرع فى تلبية نداء الصلاة فى المسجد رغم غيابي .
أيضاً دعم الإخوان وجهودهم وإلتفاف الأهل حول الأبناء خفف عنهم ، وبعث فى نفسي الطمآنينة والرضا ، وإبنتي حفصه كانت تقول لي ، ولا يهمك يا بابا ، إيه يعني ثلاث سنوات ، إخواننا فى فلسطين يعانون أكثر من ذلك ، ولسنا أفضل منهم ..
والزيارة إلى السجن كانت بمثابة رحلة ، كنا نأكل ونشرب ونلعب سوياً ، ثم يغادرون على أمل اللقاء .
*هذه القضية كانت إعلامية بحته تقوى وتضعف ، تبعاً لما ينشر عنها فى وسائل الإعلام ، وهذا كان يتسبب للجميع فى قلق بالغ ، كيف كان شعور أسرتك ، وأنت يتغير منحاك من إحتمالية محاكمة عسكرية واعتقال طويل إلى إفراج مفاجئ ؟
** بالطبع كانت سعادة الأسرة غامرة ، وكذا سعادة الأهل والأصدقاء ، وكل الناس ، يتساوى فى ذلك من أعرفهم ، ومن لا أعرفهم ، فنحن لانملك للناس سوى الحب والكلمة الطيبة والمشاعر الصادقة ، وهم لاينتظرون منا أي شيئ .
*كيف تنظر إلى من لفقوا لك القضية ؟ هل هم جناة فى نظرك أم ضحايا؟
** كل واحد ممن لفقوا لنا القضية يعرف ماذا يفعل ، الذي ألقى القبض علينا يعرف ، والذي داهم بيتنا يعرف ، والذي نُعرض عليه يعرف ، والذي احتجزنا كرهائن يعرف ، والذي يستجوبنا ولم يقل كلمة حق يعرف ، والذي يُمدد لنا فترات الإعتقال ، وهو يقول اصبروا واحتسبوا يعرف ، وكل منهم قبض أجره ، كما نتَحصل نحن على أجرنا ، نلقى الظلم ونصبر ونحتسب ، ونخبر أهلنا أيضا أن لهم مثل أجرنا ، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ، المسألة بالمثقال ومادون المثقال ، وحينما نقول : "اللهم انتقم ممن ظلمنا" نقصد كل من شارك سواء بالهمس أواللمس أوالإشارة أوالسكوت ، وعليهم أن يراجعوا أنفسهم ، القضية ليست شخصية ، إنها قضية الأمة والإسلام ، والقاضي الطبيعي قال كلمته فى مئات القضايا وأخلى سبيلنا ، بينما القضاء الإستثنائي يعتقلنا ويحتجزنا ويظلمنا . وعلى كل المتورطين فى هذه المظالم أن يراجع نفسه.
*سلبيات الإعتقال والتغييب الكل يعرفها ؟ لكن هل خرجت من هذه الفترة بأي إيجابيات ؟؟
** السلبيات لمن يرتكب الجرم فى حقنا ، الإيجابيات كانت كثيرة بالنسبة لنا سواء على مستوانا أو مستوى الأسرة أو الناس .
مشكلتنا الأساسية فى هذه الأثناء كانت فى ضيق الوقت ، أنا كنت مظلوم فى قضية شريفة كريمة ، والله معي ، كنا نستشعر الأمر الإلهي للنار : "يا ناركوني برداً وسلاماَ" ، كنا نستشعر عناية الله ورحمته ، ونحن تحت سياط القهر والتخويف والإرهاب ، و فراق الأهل . لقد تلاشت كل مرارة ذلك كله أمام الأنس مع الله سبحانه وتعالى ، والحياة فى معيته وتحت رعايته .
كنت أعيش وسط مجموعة من أكرم وأشرف وأفقه الناس ، معظمهم مربين وعلماء وفقهاء ، كنت أحاول أن أنهل من علمهم ، لأستكمل مواطن القصور لدي فأستشعر الراحة ، وتذهب الغصة والمرارة .
*هل لديك تعليق على ما يتم تداوله فى وسائل الإعلام عن مكتب الإرشاد وما به من خلافات ؟
مثل هذه الأمور يجب معها
أولا: إحسان الظن بإخواننا ، قال تعالى "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسم خيرا وقالوا هذا إفك مبين"
"سورة النور"
ثانيا: الثقة فى القيادة (والنأكيد عالى أن لهم قواعد ولوائح يرجعون إليها عند الإختلاف) ، كما تسود بينهم روح الأخوة و الحب .
ثالثا: تقديم النصيحة مع مراعاة أدابها ، ونرجوا بها تقوية البناء وتحسين الأداء
رابعا: الدعاء لإخواننا وقيادتنا أن يلهمهم الله الرشد والصواب ..
*ماهو مستقبل العلاقة بين الإخوان والنظام ، تبعاً لرؤيتك كمعتقل سابق ؟
** مستقبل العلاقة بين النظام والإخوان يحددها النظام ، الإخوان لايريدون لهذا البلد سوى الخير ، والنظام يرفض ذلك على شاكلة "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " ، هؤلاء أهل إفساد ويبغونها عوجاً ، والإخوان اهل إصلاح وسيظلوا على ماهم عليه سواء تغير النظام أم لم يتغير ، التحذير الأول للرسول صلى الله عليه وسلم فى صدر البعثة النبوية "وسيخرجك قومك " نحن ندركه تمام الإدراك ، ونعلم أننا سنظل عرضة للمعاناة والظلم ، لكن كله يهون فى سبيل الله .