مقالات وآراء
 القائمة البريدية
 
 
 
أخبار

 

26/07/2010

بقلم : عبد الحليم قنديل

لعلها كانت واحدة من أطرف وأعجب الوقائع والمفارقات في تاريخ الصحافة المصرية.

كان الرئيس السادات يسبح في دمه على منصة العرض العسكري صباح 6 أكتوبر 1981، كان العرض الأخير من نوعه إلى الآن، وكانت الأنفاس الأخيرة في حياة السادات، كان الرئيس قد قضى نحبه، بينما كانت صحيفة 'المساء' المصرية تخرج بمانشيت عريض على صدر صفحتها الأولى، يقول إن الرئيس السادات عاد بسلامة الله إلى بيتـه بعد العرض العسكري الباهر، ومع صور من الأرشيف، يبدو فيها الرئيس السادات بكامل أناقته العسكرية، وبعصا الماريشالية التي يهش بها على صحفه.

تذكرت هذه الواقعة الطريفة، التي تمثل قمة الخيبة، وقاع التدني في الأداء المهني، وأنا أطالع تصريحا معـمما نشــــرته صحف مصر كلها قبل أيام، صاحب التصـريح وزير الإعلام، واسمه بالمناسبة: أنس الفقي، ينفي الفقي بجرة كــــلام كل تقارير الصحف الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية عن تدهور صحة الرئيس مبارك، التي استند أغلبها إلى تقــــارير وصور مخابراتية جدا، وأكد الفقي أن مبارك في صحة جيدة وتمام العافية، وأن ما نشر مجرد شائعات، وأن الرئيس لم يجر أية فحوصات طبية بعد عملية إزالة المرارة، ولم يتطرق الفقي ـ بالطبع ـ إلى قصص مفصلة نشرت عن السرطان والعد التنازلي للأيام الباقية.

وقد استقبل الرأي العام المصري تصريحات الفقي على طريقته، فالمصريون يقرأون التصريحات الرسمية بالمقلوب، ويعتبرون النفي إثباتا، أو ربما يخلط الناس بين الأماني والحقائق، ويقرأون كما يحبون، ويكذبون ما يكرهون، وقد تعودوا الكذب المنتظم من وزراء وصحف مبارك، ولا مانع عندهم من إضافة كذبة أخيرة قد تكون هي ذاتها الشهقة الأخيرة.
وفي الجملة، فقد غامت حقائق الحالة الصحية للرئيس مبارك، وصارت مصر في حال 'الانتظار الطويل' على حد العنوان البليغ الموحي لتقرير مجلة 'الإيكونوميست' الأخير عن مصر، بدت مصر في حال انتظار لموت سياسي طال عمره، وبالطبع، نحن نتمنى الشفاء لشخص مبارك، وإن كنا لا نتمنى له أن يظل رئيسا، وقد لا تأتي لـنا الأقدار بأمنياتنا ولا بأمنياته، فالموت مصير الناس جميعا، وأيا ما كانت الحالة الصحية لمبارك، فقد مات نظامه السياسي من زمن، ودخل من سنوات في حالة 'التحلل الرممي' بلغة الأطباء، وتحول إلى جثة بروائح كريهة تسد الطريق العام، وتحجز عين مصر عن عين الشمس.

وربما لا يعرف أحد ـ غير الله ـ متى تأتي الساعة، وإن كنا نعرف ـ باليقين ـ أن الرئيس ذاهب، وبأقرب مما توحي به الظنون، لا ينصرف السبب ـ فقط ـ إلى صحة الرئيس، وقد تآكلت أطرافها وغامت حقائقها، وبدت كمومياء فرعونية مرممة بعناية، وأيا ما كانت حظوظ الرعاية الطبية للرجل، فإن صحة نظامه ذهبت بددا، وانتهى النظام إلى ركام، وإلى موت ظاهر تدافعت علاماته عند جذع المخ، فالسلطة ـ أي سلطة ـ هي الإذعان مقابل الإشباع، وقد كف نظام مبارك عن أن يكون سلطة بأي معنى مقبول أو معقول، وتحول ـ من زمن ـ إلى تسلط مكشوف الغطاء، يطلب الإذعان مقابل العجز، وليس الإذعان مقابل إشباع يعجز عنه كليا، فثمة عجز نهائي مطلق عن تجديد قواعد اجتماعية وسياسية تسند بقاءه، وثمة قبضة يد تخشبت، ثمة 'تخشب رممي' يبعث النظام على هيئته يوم القيامة في الدنيا قبل الآخرة، ثمة دفاتر رحيل تكتب حروفها الأخيرة، وتطــــوي أوراقها، وفي ظروف ملتبسة، فيها مزيج من هواجس التربص ودواعي الفرص، ومراسم دفن تجري في ظلام 'المؤسسة'، وشارع تائه أقرب إلى أحــوال الغبار البشري، ونخب معلقة كما نظام معلق، وشبكة مواصلات مقطوعة تحجز آبار الغضب عند القواعد الاجتماعية في العمق، وتفصلها بهمومها عن حمل رايات غضب سياسي يبدو جهيرا زاعقا فوق السطح.
وقد لا يعرف أحد ـ على سبيل القطع ـ اسم الرئيس التالي لمصر، وربما لا يتوقع أحد ـ بالوضوح كله ـ صورة مصر عند لحظة الرحيل ومفارق الطرق، فمصر تبدو ـ الآن ـ بلدا على رصيف التاريخ، يستبد بها الشعور بالحيرة، وتفلت منها المواعيد وحسابات المكان، لا تعرف على أي محطة تقف؟، ولا يدري أحد إلى أين المـــفر والمستقر، فثمة إمكانية متكافئة لانزلاق إلى انقلاب، أو إلى دواعـــي ثورة، ولا تبدو مواعيد الختام القريب هي نفســــها شواطئ الراحة، فثمة غضـــــب مكبوت ينذر بانفجار، وأيا ما كان اسم الرئيس التالي، وســـواء بادر بإطلاق الحريات، أو استــــمر في العصف بالحريات، فنحن بصدد بلد تأخرت مواعيـــد خلاصه، وبصدد رئيـــس تأخرت مواقيته، ولن يقدم على أي تعــــديل، أو تصحــــيح لخطوط الســــير في أيامه الأخيرة، ليـــس لأنه لا يرغب، بل لأنه لا يقدر، فهو عند نـــــهاية طريـــــق فقد بوصلــــته، وعند قبضــــة يد خشبية لا تنفك أصابعها، ويعرف بالغريزة أن لم يعد له خيار، وأن فواتير الحساب في انتظاره، وأن الانتقال من القصر إلى القبر أهون من انتظار الهوان في قفص الاتهام.

ومواعيد الرحيل في مصر كانت دائما مواسم شعور عام، عندما رحل الرئيس عبد الناصر فجأة، وهو في أوائل الخمسينيات من عمره، تدفقت أحزان مصر الباكية إلى شوارع الحنين، وشهدت مصر أكبر جنازة في التاريخ الإنساني كله، وعندما اغتيل السادات على منصة العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981، لم تكن ثمة جنازة خارج الطقس الرسمي البارد، وكان جهاز الأمن المذهول يصل بمعاركه الدامية إلى أسيوط عاصمة الجنوب المصري، وعندما يرحل الرئيس مبارك، ربما لا تجد حزنا ولا ذهولا، بل إفاقة من نوم، وربما لا تجد غير جنازة الطائرات الخاصة الهاربة بالمماليك والأغوات والمليارديرات، صحيح أن مصر الحديثة لم تعرف حكاما رحلوا باختيارهم عن القصر قبل أوان القبر، لكنها لم تعرف حاكما امتد به العمر في الحكم كما الرئيس مبارك، فقد تولى مبارك الرئاسة، وهو في سن أكبر من السن التي رحل عندها الرئيس عبد الناصر.

وبدت سنواته الثلاثون في الحكم ـ حتى الآن ـ كأنها الألف عام، زمن بليد راكد ضاغط داهس، زمن كطائر الرخ يرخي سدوله، ويقصف الأعمار والأجيال، ربما لذلك، بدت أغلب نكات المصريين السياسية مشغولة بشيئين، مشغولة بفساد النظام، ومشغولة بعمر الرئيس مبارك الذي طال بأكثر مما عهدوا وتوقعوا، بدت النكات لاذعة مرة، وبدت في النكات ـ التي نعتذر عن عدم سردها ـ حيرة عزرائيل نفسه، وكلما تقاطرت سنوات مبارك، تقاطر عذاب المصريين، وتفاقم شعورهم بالضآلة والدونية وسوء الحظ، وتراكم الشعور باليأس وانعدام الأمل، وزاد الإحساس بالاحتجاز في نفق طويل بغير لمحة ضوء في نهاية لا تجيء، وبالسجن المزمن بغير أمل باد في انتظار قرار إفراج، فلم يعد المصريون يصدقون أن الرئيس مبارك سيرحل يوما، رغم أن الموت علينا حق، وعلى الرئيس أيضا.  
 

Bookmark and Share Facebook Facebook Twitter favorites

التعليقات مملوكة لأصحابها. والموقع غير مسئول عن محتواها.

هذا حال كل مصرى

بواسطة: ابو عبيدة

جزاك الله خيرا على هذا المقال فقد أخرجت مافى مكنون كل مصرى وحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن ظلموا هذا الشعب ووصلوا به الى هذه المرحلة المؤسفةالمخزية

غريب وعجيب

بواسطة: د مجدي

عجيب يا استاذ ان تكون النعوش هي رسائل التغييير عند الشعوب-وغريب ان يكون مصير هذا الشعب غائب حتي النظام الملكي معلوم من سيكون -شعب غريب في زمن عجيب

الرئيس عاد بسلامة الله من رحلة القبر

بواسطة: الشرقاوى

بيان هام من فقى تليفزيون ال مبارك...من شدة حبه فى النفاق ...بعد رحيل مبارك المفاجىء وخيمت الافراح وهرب المفسدون...وبعد قيام حبيب الظالم باعتقال الحانوتى والمغسل وبائع الكفن والمشيعون وتشميع قبر مبارك....بعد كل هذا...اذاع الفقى بدون انس:- لقد عاد بسلامة الله السيد الرئيس من رحلة القبر المظلم وقد تم اعتقال كل من شارك فى هذا الهم..والرئيس الان بصحة جيدة ويمارس عمله وسيصدر بيانا للشعب يشرح فيه ماتم انجازه فى هذه الرحلة..وعمار يامصر

متى

بواسطة: العربى

متى يتحقق هذا الحلم ويرحل الطاغيه وتعود مصر للمصريين ونتحرر من هذا الكابوس الذى يجثم على انفاسناثلاثون سنه

الرئيس عاد بسلامة الله من رحلة القبر

بواسطة: محمد طليب

بيان هام من فقى تليفزيون ال مبارك...من شدة حبه فى النفاق ...بعد رحيل مبارك المفاجىء وخيمت الافراح وهرب المفسدون...وبعد قيام حبيب الظالم باعتقال الحانوتى والمغسل وبائع الكفن والمشيعون وتشميع قبر مبارك....بعد كل هذا...اذاع الفقى بدون انس:- لقد عاد بسلامة الله السيد الرئيس من رحلة القبر المظلم وقد تم اعتقال كل من شارك فى هذا الهم..والرئيس الان بصحة جيدة ويمارس عمله وسيصدر بيانا للشعب يشرح فيه ماتم انجازه فى هذه الرحلة..وعمار يامصر

الى متى سيظل هذا الاستبداد

بواسطة: شرنوبى عبد الرحمن

مقال جيد

الوفاء

بواسطة: unis515

الرئيس حسنى مبارك الضابط بالقوات المسلحه وقائد الكليه الجويه ورئيس اركان القوات المصريه الجويه ثم قائدا للقوات المصريه ثم منتصرا قى حرب اكتوبر مع اخوانه من بقية اسلحة القوات المسلحه ولايمكن لكائن من كان ان يشكك فى وطنيه هذا المواطن المصرى حتى النخاع وبعد رحيل هذا الرجل (ربنا يتم شفاؤه ) سيكون له ماله وعليه ماعليه وبالقطع له ميرراته لكل فعل قام به ويكفى نظره واحد الى كل مايدور فى منطقتنا من حروب وكوارث لكى نعلم مافعله مبارك لمصر وشكرا

عفوا يا اخوان

بواسطة: محامى حر

انتم يا من تسمون نفسكم اخوان مسلمون هل لانكم انتم المسلمون فقط والباقى ديانه اخرى ام ماذا عفوا فانتم تريدونها سبهلله فقط ماذا فعلتم من خلال معاملاتى مع بعضكم وجدتكم لاتعرفون الا انفسكم فقط وتقومون بالواجب مع بعضكم البعض لذا انتم غير مؤهلين للسلطه وبانت حقائقكم

مات عرفات من قبل وقال هنيه

بواسطة: كيموا

جميل أن ننفس عما بداخلنا ولكن ليس بجميل أن نرمي كل أعبائنا على الحاكم ولا تنسوا الحديث القدسي == أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملك وملك الملوك قلوب الملوك في يدي وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتقرب أكفكم ملوككم رواه الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء.. ولن أنسى حينما قال هنيه راثيا أيام عرفات أين أيام عرفات ومن قبل كنا نقول عنه الاقاويل ... يجب أن ننشغل بأنفسنا حتى تأتي ثائره فنكون على الظالمين كالسيف القاطع أقوياء

مات عرفات من قبل وقال هنيه

بواسطة: كيموا

جميل أن ننفس عما بداخلنا ولكن ليس بجميل أن نرمي كل أعبائنا على الحاكم ولا تنسوا الحديث القدسي == أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملك وملك الملوك قلوب الملوك في يدي وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتقرب أكفكم ملوككم رواه الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء.. ولن أنسى حينما قال هنيه راثيا أيام عرفات أين أيام عرفات ومن قبل كنا نقول عنه الاقاويل ... يجب أن ننشغل بأنفسنا حتى تأتي ثائره فنكون على الظالمين كالسيف القاطع أقوياء

1

أضف تعليــق
الإسم    
 
عنوان التعليق  
 
 

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة اكتب الارقام   « تغيير الصورة