02/03/2010
د/ ممدوح المنير
إنه موقف من مواقف العظمة و الإكبار و الإجلال ، و كأن الله فى كل و قت و حين يأبى إلا أن يقيم علينا الحجة فيرينا من صنعة يديه رجال لا هم بملائكة و لا أنبياء ، مهمتهم أن يضربوا لنا أروع المثل و يبقوا فينا طيب الأثر ، و يحيوا بمواقفهم موات قلوبنا ، و يخطبون فينا خطبتهم البليغة بثباتهم و قوة إيمانهم و مضاء عزائمهم ، لا يرهبهم طغيان ظالم و لا تكسرهم سجون القهر و الإستبداد .
ثم لا تلبث أن تأسف على حالك ، حين تشعر أننا نحن الأسرى و هم الأحرار ، لقد عرفوا السر الذى يعرفه الجميع !! ، لكنهم ما إن عرفوه حتى فعلوه ، إنها سجدة الحرية !! ، نعم تلك السجدة التى ينخلع فيها العبد من كل أشكال العبودية لغير الله ، عندها يتحرر من كل شىء ومن كل أسر ، فتراه بعين البشر القاصرة خلف الأسوار فتأسى لحاله ، و تراه بعين الله فتأسى لحالك !! .
(( فإنني أنا الشيخ حسن يوسف داوود دار خليل وأهل بيتي (الزوجة والأبناء والبنات) نُعلن (براءةً تامةً جامعةً ومانعةً) من الذي كان ابنًا بكرًا، وهو المدعو "مصعب" المغترب حاليًّا في أمريكا، متقربين إلى الله بذلك وولاءً إلى الله ورسوله والمؤمنين )) .
ما أن قرأتها حتى شعرت بقشعريرة تجتاح جسدى رغم عنى ، عجيب و الله أمرك يا شيخ حسن (( متقربين إلى الله بذلك ، وولاءا إلى الله و رسوله و المؤمنين )) ، أيها الجبل الأشم ، هنيئا لك القربى من الله و رسوله ، إحسانا بالله ظنا و لا نزكيك على الله و هو حسيبك .
إن هذا الموقف النبيل من شيخنا المجاهد و أهل بيته لا بد أن نتلمس منه الدروس و العبر و منها :
أولاً ) إن رباط العقيدة و الدين لا يعلوه رباط ، ودونه يهون كل شىء ، الأهل كل الأهل ، و المال كل المال ، و النفس كل النفس ، ليصبح هذا الرباط وحده هو معيار الحب فى الله و البغض فى الله ، لم يكن هذا الموقف من شيخنا الجليل إلا تأسيا برسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و صحابته الكرام ، فمنهم من قتل أباه إبتغاء مرضات الله فهذا سيدنا أبو عبيدة بن الجراح أحد العشر المبشرين بالجنة ، الذى لقبه رسول الله صلى الله علية وآلة وسلم ب ( القوي الأمين ) لأنة التقى ووالده الذي كان في صفوف الكفار في معركة بدر وضربه بسيفه وقتلة قائلاً ((السماح السماح ياأبتاه .. لقد قتلت نفسك بيدي)) !! .
ثانيا ً) أن الهداية و الثبات منحة من الله لعباده الصالحين ، و "يبتلى الرجل على قدر دينه" كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فوجب علينا أن نحسن صلتنا بالله و أنه ندعوه أن يثبتنا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد .
ثالثاً ) يجب على حركة حماس أن تفتح تحقيقا داخليا جديّا حول موضوع وجود عملاء محتملين بينها ، رغم إدراكى بصعوبة ذلك البالغة ، لكن عظم المسئولية الملقاة على عاتق حماس تقتضى أن تأخذ الحركة بالغ الحذر .
رابعا ً) لا يعيب حماس أن يكون بينها ( عميل ) ، فلم يقل أحد أن رجال الحركة ملائكة منزلين من السماء ، لكنهم بشر كغيرهم و يجوز فى حقهم ما يجوز فى غيرهم ، غير أنهم من أنقى الناس سريرة و ثباتا على الحق و العبرة تقاس بالكثرة المطلقة لا بالقلة المنحرفة التى تقترب من العدم .
خامسا ً) لم تعلن حركة حماس على لسان أى من قيادتها أن مصعب كان كادرا من كوادرها ولكنه كان فقط يعمل فى مجال العمل العام الذى يتسع للجميع ، سواء إنتسبوا للحركة أم لا ، و بالتالى لا يمكن إعتبار مصعب عضوا تنظيميا فى الحركة ، رغم إيمانى أن ذلك لا يعيب الحركة بأى حال من الأحوال .
سادساً ) المعلومات التى قال المدعو مصعب أنه حصل عليها – إن صحّت – و التى نتج عنها إفشاله للعديد من عمليات الإغتيال بحق الصهاينة ، تقتضى مراجعة حازمة لدولاب العمل الجهادى حتى لا يحدث تثريب للمعلومات يكلف الحركة كثيرا و أفضل قاعدة فى هذا المجال ( المعرفة على قدر الحاجة ) .
سابعا ً) توقيت إذاعة الخبر واضح منه ، أن إسرائيل تعانى إرتباكا شديدا بعد كشف ملابسات إغتيال الشهيد المبحوح ، وأنها تحاول التغطية على فشلها الذريع بهذا التشويش المكشوف .
ثامنا ً) قيام المدعو ( مصعب ) بالحديث بهذا الشكل عن خيانته و عمالته لإسرائيل دون تحفظات ، تجعلنى أشعر أن الرجل مشكوك فى سلامته العقلية !! ، فالخائن أو العميل أكثر لحظات حياته رعبا و تعاسة هى التى ينكشف فيها ، لأنه يعرف جيدا أنها نهايته عند الجميع ، من يخونه و من يخون من أجله ( إسرائيل ) ، هذا عن العار الذى يلحق به حيا أو ميتا ، لذلك اعتبر أن حديثه لوسائل الإعلام بكل هذه الأريحية عن خيانته دليل على عدم إتزانه النفسى و العقلى .
تاسعا ً) عدم تسرع حماس فى إعلان موقفها من المدعو مصعب و اعتماد الردود الدبلوماسية ، حتى تتبين من صحة المعلومات المتداولة أمر يحسب للحركة يعد رقيا و سمو واحتراما لمشاعر أب مصاب فى ولده أو من كان ولده ، و بعد التبين و التأكد جعلت الحركة الوالد الصابر هو من يعلن الموقف بتبرئه و أسرته من الإبن الضال .
عاشرا ً) لم أجد أفضل من الآية الكريمة التى تلخص الموقف ، و التى تحكى عن سيدنا نوح لمّا أراد أن ينقذ ولده من الغرق فى الطوفان عقابا من الله له على كفره ، قال تعالى ( يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) فكان القانون السماوى : (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ )
اللهم ثبتنا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد ، اللهم آمين .
ـــــــــــــــــــــــ
كاتب ومدون مصري
* تنويه (إدارة الموقع)
أعلن الشيخ حسن يوسف أن المدعو مصعب لم يكن فى يوم من الأيام عضواً فى حماس ، كما أعلن السيد / أسامه حمدان منذ أكثر من أسبوع ، وفى يوم نشر القصة ، أنها قديمه ، ومعروفه لديهم ، فمصعب غادر إلى أمريكا منذ 10 سنوات وتنصر ، بينما قال والده أن مصعب كان تحت رقابته بعد خروجه من السجن ، وأنه حذر الحركة منه ، وكان الكيان الصهيوني قد اعتقل مصعب للضغط على والده ، وعرضه للابتزاز حيث جرى إسقاطه .