بقلم/ ماهر إبراهيم جعوان
 
يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
(من ادَّعى العلم وهو يمالئ الفاسدين فهو تاجر، ومن ادعى الإصلاح وهو يتقرَّب إلى الظالمين فهو فاجر، ومن ادَّعى التقوى وهو يجري وراء الدنيا فهو دجَّال، ومن ادَّعى الوطنية وهو يفرِّق الصفوف فهو خائن، ومن ادَّعى الحكمة وهو منحرف فهو سفيه، ومن ادَّعى البطولة وهو عبد لأهوائه فهو رعديد. ومن ادَّعى الزعامة وهو حقود فهو مقود، ومن ادَّعى التحرُّر وهو ملحد فهو مخرِّب، ومن ادَّعى الهدى وهو مخالف للكتاب والسنة فهو ضال، ومن ادَّعى الإرشاد وهو مخالف لهدي الرسول ﷺ فهو جاهل أو محتال).
وفاعل ذلك هو المعني تماما بحزب الشذوذ الفكري فليس له هوية، ولا مبدأ واضح، ولا مرجعية ثابتة ولا عقيدة فكرية راسخة يدعوا لها ويسعى لنشرها أو الدافع عنها،
مائع فكريا غير متسق مع ذاته، متلون على كل وجه، يدعوا لشيء ويأتي آخر.
ميكافيلية التفكير عنده الغاية تبرر الوسيلة، فإسلامي مع الإسلاميين، علماني مع العلمانيين، كاذب من الكاذبين، فاسد مع الفاسدين، حاقد مع الحاقدين، جبان مع الجبناء، خائن مع الخائنين، وإمعة يسير مع الركب أينما كان، يجري مع كل ريح.
لا يراعي ثوابت ولا أسس ولا خصائص ولا مراحل ولا أولويات.
فاجر في الخصومة إذا ما كان الخصم ضعيفا أو مبتلى، وخانع ذليل مطأطأ الرأس إذا ما كان الخصم جبارا فاسقا ممسكا بالعصا والجزرة، فيجاريه في باطله ولا يتصدى له.
يقيم الدنيا ولا يقعدها لترهات وقضايا وهمية ومعارك جانبية للانشغال عن واجب الوقت،
حتى لو أتت بنتائج عكسية تهدم ما يدعوا هو له، فيناصر الظالم ويزعم أنه يريد العدل،
يدعم القاتل ويدعي حقن الدماء، يوالي أعداء الله ويدعي الولاء والبراء، يساند أهل الفسق والفجور ويدعي الفضيلة، يناصر صاحب الكبيرة ليسقط صاحب الصغيرة، يتبع الزلات بحجة نصرة الحق ولا يهتم بالعواقب ولو أتت بأم الكبائر، ولو أسفرت عن تقطيع ما أراد الله له أن يُوصل، لا يرضى الفساد ويضع يده في يد الفسدة.
يسلك مسلك المنافقين ويدعي الإيمان، ينكر على بن سلول ويأتي بأفعاله، يُمجد في الإمام أحمد بن حنبل صموده، وثباته، ولا ينتهج نهجه، ولا يسير سيره، ولا يقف موقفه، ولا يسلك طريقه مخافة أن يلبس في الحائط.
ويا ليته يأخذ بالرخصة، ويعتزل الفتنة، ويلزم حلث بيته، ويبكي على خطيئته، وليسعه بيته، ويواري عجزه، بل العجيب أنه ينكر على من يأخذ بالعزيمة ويصدع بكلمة الحق عند سلطان جائر، ويرضى لنفسه أكل الميتة.
سائر خلف الظالمين بلا هوادة، يسرع الخطى في طريق الزور، كل يوم في حال، منبطح إلى منتهاه، عاري السوءة حتى من ورقة التوت، يأكل على كل الموائد حتى بثديه، راقص على السلالم، مطية كل صاعد، يتخلى عن هويته، وينحرف عن غايته، ليحيا فقط ولو كانت حياة الذل. حزب الشذوذ الفكري صاحب الخلل والشطط الفكري يُميع القضايا، يُشغل المجتمع بفقه دخول الخلاء ويُضيع وجوب تنصيب الإمام، يسلم الكفار والمنافقون من لسانه ولا يسلم منه إخوانه
يُقدم ما حقه التأخير ويؤخر ما حقه التقديم، يؤخر الواجبات ويُقدم المستحبات، يحفظ الفروع ويُضيع الأصول، يُصغر الكبير ويُكبر الصغير، يُعظم الحقير ويُحقر العظيم، يصون السنن ويُضيع الفرائض، يكفهِر في وجوه إخوانه وينبسط ضاحكا في وجوه أعدائه، يغيظ إخوانه ويفرح أعدائه
يفعل الشيء ونقيضه، ويقف في صفوف الظالمين وينطق بآيات القرآن
يقول بن تيميه رحمه الله (إذا وجدتموني في صفوف التتار وفوق رأسي مصحفًا فاقتلوني).
ما بين خلع ثوب الذل وارتداء ثوب الحرية تظهر عورات الكثيرين وما ينطق بالحق منافق أو ذليل
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر:
)رأيت كثيراً من الناس يتحرزون من رَشاسِ نجاسةٍ أو لا يتحاشَوْنَ من غِيبةٍ ويكثِرونَ من الصَّدَقَةِ ولا يُبَالونَ بمعاملاتِ الرَّبا، ويتهجَّدون بالليل ويؤخِّرون الفريضةَ عن الوقتِ
وفي الناس من يطيع في صغار الأمور دون كبارها وفيما كلفته عليه خفيفة أو معتادة، وفيما لا ينقص شيئاً من عاداته في مطعم وملبس، ونرى أقواماً يوسوسون في طهارة ويستعملون الكثير من الماء، ولا يتحاشون في غيبة، في أشياء يطول عددها من حفظ فروع وتضييع أصول، فالله الله في تضييع الأصول).
حزب الشذوذ الفكري يريد الوصول دون عناء ولا مشقة ولا ضريبة ولا كُلفة.
مشتت الفكر، حيران، هائم على وجهه، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يريد أن يرضي الجميع، يحسب كل صيحة عليه، يوظف النص والدليل في غير موضعه.
يستخدم النص في موضع ولا يستخدم نفس النص لنفس الحدث في موطن آخر، وما الكلام عن النصارى والكنيسة والشيعة والخوارج والحاكم المتغلب أو حتى أهل الفن والنساء وجهاد الكاراتيه والسلام الجمهوري أو حتى حصار المسلمين وغيرها منا ببعيد.
هو حالة من نتاج البيئة التي نحياها بكل تعقيداتها وإشكالاتها.
حالة من الهلامية، السراب، لا تستطيع أن تمسكه بيديك، متلون، متقلب، متحول، تائه.
حالة من الضرار كمثل مسجد (ضــــــرار) أفراد وأحزاب ومؤسسات وحكومات ودول وقنوات ونفوس وضمائر (ضـــــــرار) ناقص عقل ودين، أخطر على الأمة من أعدائها.
حالة من العشوائية، تلبس على الناس أمر دينهم ودنياهم، برغم وضوح الحق والباطل ومع هذا الوضوح ربما لو نزل المسيخ الدجال غدا ربما لم يفرق بينه وبين المسيح عيسى عليه السلام.
يقول ابن الجوزي رحمه الله:
(إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم
ولقد رأيت -والله- من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود؛ فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه، وقوة مجاهدته.
ولقد رأيت من يراقب الله -عز وجل- في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم؛ فعظم الله قدره في القلوب، حتى عَلِقَتْهُ ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير).